Subscribe: google+

حكاية الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان ج 2

وفي الليلة الواحدة والتسعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان لما سمعت من أخيها الشعر دعت الخادم الكبير وقالت له اذهب وائتني بمن ينشد هذه الأشعار فقال لها: إني لم أسمعه ولم أعرفه والناس كلهم نائمون، فقالت له: كل من رأيته مستيقظاً فهو الذي ينشد الأشعار ففتش فلم ير مستيقظاً سوى الرجل الوقاد، وأما ضوء المكان فإنه كان في غشيته، فلما رأى الوقد الخادم واقفاً على رأسه 
خاف منه فقال له الخادم: هل أنت الذي كنت تنشد الأشعار وقد سمعتك سيدتنا؟ فاعتقد الوقاد أن السيدة اغتاظت من الإنشاد فخاف وقال: والله ما هو أنا، فقال له الخادم: ومن الذي كان ينشد الشعر فدلني عليه فإنك تعرفه لأنك يقظان، فخاف الوقاد على ضوء المكان وقال في نفسه: ربما يضره الخادم بشيء فقال له: لم أعرفه فقال له الخادم: والله إنك تكذب فإنه ما هنا قاعدة إلا أنت فأنت تعرفه، فقال له الوقاد: أنا أقول لك الحق، إن الذي كان ينشد الأشعار رجل عابر طريق وهو الذي أزعجني وأقلقني فالله يجازيه فقال له الخادم: فإذا كنت تعرفه فدلني عليه وأنا أمسكه وآخذه إلى باب المحفة التي فيها سيدتنا وأمسكه أنت بيدك، فقال له اذهب أنت حتى آتيك به. فتركه الخادم وانصرف ودخل وأعلم سيدته بذلك وقال: ما أحد يعرفه لأنه عابر سبيل فسكتت. ثم إن ضوء المكان لما أفاق من غشيته رأى القمر قد وصل إلى وسط السماء وهب عليه نسيم الأسحار فهيج في قلبه البلابل والأشجان فحسس صوته وأراد أن ينشد فقال له الوقاد: ماذا تريد أن تصنع؟ فقال: أريد أن أنشد شيئاً من الشعر لأطفئ به نيران قلبي، قال له: أما علمت بما جرى لي وما سلمت من القتل إلا بأخذ خاطر الخادم، فقال له ضوء المكان: وماذا جرى فأخبرني بما وقع؟ فقال: يا سيدي قد أتاني الخادم وأنت مغشي عليك ومعه عصا طويلة من اللوز وجعل يتطلع في وجوه الناس وهم نائمون ويسأل على كل من ينشد الأشعار فلم يجد من هو مستيقظ غيري فسألني فقلت له: إنه عابر سبيل فانصرف وسلمني الله منك وإلا كان قتلني فقال لي: إذا سمعته ثانياً فإت به عندنا، فلما سمع ضوء المكان ذلك بكى وقال: من يمنعني من الإنشاد فأنا أنشد ويجري علي ما يجري فإني قريب من بلادي ولا أبالي بأحد فقال له الوقاد: أنت ما مرادك إلا هلاك نفسك، فقال له ضوء المكان: لا بد من إنشاد فقال له الوقاد: قد وقع الفراق بيني وبينك من هنا وكان مرادي أن لا أفارقك حتى تدخل مدينتك وتجتمع بأبيك وأمك وقد مضى لك عندي سنة ونصف وما حصل لك مني ما يضرك فما سبب إنشادك الشعر ونحن متعبين من المشي والسهر والناس قد هجعوا يستريحون من المشي ومحتاجون إلى النوم، فقال ضوء المكان: لا أعود عما أنا فيه، ثم هزته الأشجان فباح بالكتمان وأخذ ينشد هذه الأبيات:  
قف بالديار وحي الأربع الدرسـا          ونادها فعساها أن تجيب عـسـا
فإن أجنك ليل من تـوحـشـهـا                        أوقد من الشوق في ظلماتها قبسا
إن صل عذاريه فـلا عـجـب               أن يجن لسعا وأن أجتني لعسـا
يا جنة فارقتها النفس مـكـرهة            لولا التأسي بدار الخلد مت أسى
وأنشد أيضاً هذين البيتين:
كنـا وكـانـت الأيام خــادمة   والشمل مجتمع في أبهج الوطن
من لي بدار أحباب وكان بـهـا             ضوء المكان وفيها نزهة الزمن
فلما فرغ من شعره صاح ثلاث صيحات ثم وقع مغشياً عليه فقام الوقاد وغطاه، فلما سمعت نزهة الزمان ما أنشده من الأشعار المتضمنة لذكر اسمها واسم أخيها ومعاهدهما بكت وصاحت على الخادم وقالت: ويلك إن الذي أنشد أولاً أنشد ثانياً وسمعته قريباً مني، والله إن لم تأتني به لأنبهن عليك الحاجب فيضربك ويطردك، ولكن خذ هذه الألف دينار وائتني به برفق فإن أبى فادفع له هذا الكيس الذي فيه ألف دينار فإن أبى فاتركه واعرف مكانه وصنعته ومن أي بلاد هو وارجع بسرعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والتسعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة المكان أرسلت الخادم يفتش عليه وقالت له: إذا وجدته فلاطفه وائتني به برفق، فخرج الخادم يتأمل في الناس ويدوس بينهم وهم نائمون فلم يجد أحد مستيقظاً، فجاء إلى الوقاد فوجده قاعداً مكشوف الرأس فدنا منه وقبض على يده وقال له: أنت الذي كنت تنشد الشعر فخاف على نفسه وقال: لا يا مقدم القوم ما هو أنا، فقال الخادم: لا أتركك حتى تدلني على من كان ينشد الشعر لأني لا أقدر الرجوع إلى سيدتي من دونه، فلما سمع الوقاد كلام الخادم خاف على ضوء المكان وبكى بكاء شديداً وقال للخادم: والله ما هو أنا وإنما سمعت إنساناً عابر سبيل ينشد فلا تدخل في خطيئتي فإني غريب وجئت من بلاد القدس، فقال الخادم للوقاد: قم أنت معي إلى سيدتي وأخبرها بفمك فإني ما رأيت أحداً مستيقظاً غيرك. فقال الوقاد: أما جئت ورأيتني في الموضع الذي أنا قاعد فيه وعرفت مكاني وما أحد يقدر في هذه الساعة ينشد شيئاً من الشعر سواء كان بعيداً أو قريباً لا تعرفه إلا مني، ثم باس رأس الخادم وأخذ بخاطره فتركه الخادم ودار دورة وخاف أن يرجع إلى سيدته بلا فائدة فاستتر في مكان غير بعيد من الوقاد فقام الوقاد إلى ضوء المكان ونبهه وقال له: اقعد حتى أحكي لك ما جرى وحكى له ما وقع فقال له: دعني فإني لا أبالي بأحد فإن بلادي قريبة فقال الوقاد لضوء المكان: لأي شيء أنت مطاوع نفسك وهواك ولا تخاف من أحد وأنا خائف على روحي وروحك، بالله عليك أنك لا تتكلم بشيء من الشعر حتى ندخل بلدك وأنا ما كنت أظنك على هذه الحالة، أما علمت أن زوجة الحاجب تريد زجرك لأنك أقلقتها وقد كانت ضعيفة وتعبانة من السفر، وكم مرة قد أرسلت الخادم يفتش عليك. فلم يلتفت ضوء المكان إلى كلام الوقاد بل صاح ثالثاً وأنشد هذه الأبيات:

تركـت كــل لائم    ملامه أقلـقـنـي
يعذلنـي ومـا درى بابه حـرضـنـي
قال الوشاة قد سـلا             قلت لحب الوطـن
قالوا فمـا أحـنـه    قلت فما أعشقنـي
قالوا فـمـا أعـزه    قلت فمـا أذلـنـي
هيهات أن أتـركـه   لو ذقت كأس الشجن
وما أطعـت لائمـاً   في الهوى يعذلنـي
وكان الخادم يسمعه وهو مستخف فما فرغ من شعره إلا والخادم على رأسه فلما رآه الوقاد فر ووقف بعيداً ينظر ما يقع بينهما، فقال الخادم: السلام عليكم يا سيدي فقال ضوء المكان: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال الخادم: يا سيدي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والتسعين قالت بلغني أيها الملك السعيد أن الخادم قال لضوء المكان: يا سيدي إني أتيت إليك في هذه الليلة ثلاث مرات لأن سيدتي تطلبك عندها، قال: ومن أين هذه الكلبة حتى تطلبني مقتها الله ومقت زوجها معها، نزل في الخادم شتماً فما قدر الخادم أن يرد عليه لأن سيدته أوصته أن لا يأتي به إلا بمراده هو فإن لم يأت معه يعطيه الألف دينار، فجعل الخادم يلين له الكلام ويقول له: يا ولد أنا ما أخطأت معك ولا جرنا عليك، فالقصد أن تصل بخواتك الكريمة إلى سيدتنا وترجع في خير وسلامة، ولك عندنا بشارة. فلما سمع ذلك الكلام قام ومشى بين الناس والوقاد ماشي خلفه، ونظر إليه وهو يقول في نفسه: يا خسارة شبابه في الغد يشنقونه. وما زال الوقاد ماشياً حتى قرب من مكانهم وقال: ما أخسه إن كان يقول علي هو الذي قال لي أنشد الأشعار.

هذا ما كان من أمر الوقاد. وأما ما كان من أمر ضوء المكان فإنه ما زال ماشياً مع الخادم حتى وصل إلى المكان ودخل الخادم على نزهة الزمان وقال لها: قد جئت بما تطلبينه وهو شاب حسن الصورة وعليه أثر النعمة فلما سمعت ذلك خفق قلبها وقالت له: أأمره أن ينشد شيئاً من الشعر حتى أسمعه ومن قرب وبعد ذلك أسأله عن اسمه ومن أي البلاد هو، فخرج الخادم إليه وقال له: أنشد شيئاً من الشعر حتى تسمعه سيدتي فإنها حاضرة بالقرب منك وأخبرني عن اسمك وبلدك وحالك، فقال: حباً وكرامة ولكن حيث سألتني عن اسمي فإنه محي ورسمي فني وجسمي بلي ولي حكاية تدون بالإبر على آماق البصر وها أنا في منزلة السكران الذي أكثر الشراب وحلت به الأوصاب فتاه عن نفسه واحتار في أمره وغرق في بحر الأفكار.

فلما سمعت نزهة الزمان هذا الكلام بكت وزادت في البكاء والأنين وقالت للخادم: قل له هل فارقت أحداً ممن تحب مثل أمك وأبيك؟ فسأله الخادم كما أمرته نزهة الزمان فقال ضوء المكان: نعم فارقت الجميع وأعزهم عندي أختي التي فرق الدهر بيني وبينها. فلما سمعت نزهة الزمان منه هذا الكلام قالت: الله يجمع شمله بمن يحب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 

 وفي الليلة الرابعة والتسعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان لما سمعت كلامه قالت الله يجمع شمله بمن يعشق. ثم قالت للخادم: قل له أن يسمعنا شيئاً من الأشعار المتضمنة لشكوى الفراق فقال له الخادم كما أمرته سيدته فصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات:  
ليت شعري لو دروا             أي قلب ملـكـوا
وفـؤادي لـو درى   أي شعب سلكـوا
أتراهم سـلـمـوا     أم تراهم هلـكـوا
حار أرباب الهـوى في الهوى وارتبكوا
وأنشد أيضاً هذه الأبيات:  
أضحى التنائي بديلاً من تدانـينـا           وناب عن طيب لقيانا تجافـينـا
بنتم وبنا فما ابتلت جـوانـحـنـا          شوقاً إليكم ولا جفت مـآقـينـا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا     بأن نغص فقال الدهـر آمـينـا
إن الزمان الذي ما زال يضحكنـا           أنا بقربكم قـد عـاد يبـكـينـا
يا جنة الخلد بدلنا بسلـسـلـهـا           والكوثر العذاب زقوماً وغسلينـا
 ثم سكب العبرات وأنشد هذه الأبيات:  
لله نـذران أزر مـكـانـي       وفيه أختي نزهة الـزمـان
لأقضين بالصفـا زمـانـي         ما بين غيدي خرد حـسـان
وصوت عود مطرب الألحان   مع ارتضاع كأس بنت الحان
ورشف اللمى فاتر الأجفـان   بشط نهر سال في بسـتـان
فلما فرغ من شعره وسمعته نزهة الزمان كشف ذيل الستارة عن المحفة ونظرت إليه فلما وقع بصرها على وجهه عرفته غاية المعرفة فصاحت قائلة: يا أخي يا ضوء المكان، فرفع بصره إليها فعرفها وصاح قائلاً: يا أختي يا نزهة الزمان فألقت نفسها عليه فتلقاها في حضنه ووقع الاثنان مغشياً عليهما فلما رآهما الخادم على تلك الحالة تحير في أمرهما وألقى عليهما شيئاً سترهما به وصبر حتى أفاقا من غشيتهما فرحت نزهة الزمان غاية الفرح وزال عنها الهم والترح وتوالت عليها المسرات وأنشدت هذه الأبيات:  
الدهر أقسـم لا يزال مـكـدري                        حنثت يمينك يا زمان فـكـفـر
السعد وافى والحبيب مسـاعـدي       فانهض إلى داعي السرور وشمر
ما كنت أعتقد السـوالـف جـنة          حتى ظفرت من اللمى بالكوثـر
 فلما سمع ذلك ضوء المكان ضم أخته إلى صدره وفاضت لفرط سروره من أجفانه العبرات وأنشد هذه الأبيات:  
ولقد ندمت على تفرق شملنـا            ندماً أفاض الدمع من أجفاني
ونذرت أن عاد الزمان يلمنـا               لا عدت أذكر فرقة بلسانـي
هجم السرور علي حتى أنـه               من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين صار الدمع عندك عادة                         تبكين من فرح ومن أحـزان
وجلسا على باب المحفة ساعة ثم قالت: قم ادخل المحفة واحك لي ما وقع لك وأنا أحكي لك ما وقع لي، فقال ضوء المكان: احكي لي أنت أولاً، فحكت له جميع ما وقع لها منذ فارقته من الخان وما وقع لها من البدوي والتاجر وكيف اشتراها منه وكيف أخذها التاجر إلى أخيها شركان وباعها له وأن شركان أعتقها من حين اشتراها وكتب كتابه عليها ودخل بها وأن الملك إباها سمع بخبرها فأرسل إلى شركان يطلبها منه، ثم قالت له: الحمد لله الذي من علي بك ومثل ما خرجنا من عند والدنا سوية نرجع إليه سوية، ثم قالت له: إن أخي شركان زوجني بهذا الحاجب لأجل أن يوصلني إلى والدي وهذا ما وقع لي من الأول إلى الآخر. فاحك لي أنت ما وقع لك بعد ذهابي من عندك فحكى لها جميع ما وقع له من الأول إلى الآخر وكيف من الله عليه بالوقاد وكيف سافر معه وأنفق عليه ماله وأنه كان يخدمه في الليل والنهار فشكرته على ذلك ثم قال لها: يا أختي إن هذا الوقاد فعل معي من الإحسان فعلاً لا يفعله أحد مع أحد من أحبابه ولا الوالد مع ولده حتى أنه كان يجوع ويطعمني ويمشي ويركبني وكانت حياتي على يديه، فقال نزهة الزمان: إن شاء الله تعالى نكافئه بما نقدر عليه.
ثم إن نزهة الزمان صاحت على الخادم فحضر وقبل يد ضوء المكان فقالت له نزهة الزمان: خذ بشارتك يا وجه الخير لأنه جمع شملي بأخي على يديك، فالكيس الذي معك وما فيه لك، فاذهب وائتني بسيدك عاجلاً، ففرح الخادم وتوجه إلى الحاجب ودخل عليه ودعاه إلى سيدته فأتى به ودخل على زوجته نزهة الزمان فوجد عندها أخاها فسأل عنه فحكى له ما وقع لهما من أوله إلى آخره ثم قالت: اعلم أيها الحاجب أنك ما أخذت جارية وإنما أخذت بنت الملك عمر النعمان فأنا نزهة وهذا أخي ضوء المكان. فلما سمع الحاجب القصة منها تحقق ما قالته وبان له الحق الصريح وتيقن أنه صار صهر الملك عمر النعمان فقال في نفسه: مصيري أن آخذ نيابة على قطر من الأقطار، ثم أقبل على ضوء المكان وهنأه بسلامته وجمع شمله بأخته، ثم أمر خدمه في الحال أن يهيئوا لضوء المكان خيمة ركوبه من أحسن الخيول فقالت له زوجته: إنا قد قربنا من بلادنا، فأنا أختلي بأخي ونستريح مع بعضنا ونشبع من بعضنا قبل أن نصل إلى بلادنا، فإن لنا زمناً طويلاً ونحن متفرقان، فقال الحاجب: الأمر كما تريدان، ثم أرسل إليهما الشموع وأنواع الحلاوة وخرج من عندهما وأرسل إلى ضوء المكان ثلاث بدلات من أفخر الثياب وتمشى إلى أن جاء إلى المحفة وعرف مقدار نفسه، فقالت له نزهة الزمان: أرسل إلى الخادم وأمره أن يأتي بالوقاد ويهيئ له حصاناً ويركبه ويرتب له سفرة طعام في الغداة والعشي ويأمره أن لا يفارقنا، فعند ذلك أرسل الحاجب إلى الخادم وأمره أن يفعل ذلك فقال: سمعاً وطاعة.
ثم إن الخادم أخذ غلمانه وراح يفتش على الوقاد إلى أن وجده في آخر الركب وهو يشد حماره ويريد أن يهرب ودموعه تجري على خده من الخوف على نفسه ومن حزنه على فراق ضوء المكان وصار يقول: نصحته في سبيل الله فلم يسمع مني، يا ترى كيف حاله، فلم يتم كلامه إلا والخادم واقف فوق رأسه ورأى الغلمان حوله فاصفر لونه وخاف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والتسعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوقاد لما أراد أن يشد حماره ويهرب وصار يكلم نفسه ويقول: يا ترى كيف حاله، فما أتم كلامه إلا والخادم واقف فوق رأسه والغلمان حوله، فالتفت الوقاد فرأى الخادم واقفاً على رأسه فارتعدت فرائصه وخاف وقال وقد رفع صوته بالكلام: إنه ما عرف مقدار ما عملته معه من المعروف فأظن أنه غمز الخادم وهؤلاء الغلمان علي وأنه أشركني معه في الذنب وإذا بالخادم صاح عليه وقال له من الذي كان ينشد الأشعار، يا كذاب؟ كيف تقول لي أنا ما أنشد الأشعار ولا أعرف من أنشدها وهو رفيقك فأنا لا أفارقك من هنا إلى بغداد والذي يجري على رفيقك يجري عليك، فلما سمع الوقاد كلامه قال في نفسه: ما خفت منه وقعت فيه ثم أنشد هذا البيت:

كان الذي خفت أن يكونا      إنا إلى الله راجعـونـا
ثم إن الخادم صاح على الغلمان وقال لهم: أنزلوه عن الحمار فأنزلوا الوقاد عن حماره وأتوا له بحصان فركبه ومشى صحبة الركب والغلمان حوله محدقون به وقال لهم الخادم: إن عدم منه شعرة كانت بواحد منكم ولكن أكرموه ولا تهينوه، فلما رأى الوقاد الغلمان حوله يئس من الحياة والتفت إلى الخادم وقال له: يا مقدم أنا ما لي أخوة ولا أقارب وهذا الشاب لا يقرب لي ولا أنا اقرب له وغنما أنا رجل وقاد في حمام ووجدته ملقى على المزبلة مريضاً، وصار الوقاد يبكي ويحسب في نفسه ألف حساب والخادم ماش بجانبه ولم يعرفه بشيء بل يقول له: قد أقلقت سيدتنا بإنشادك الشعر أنت وهذا الصبي ولا تخف على نفسك وصار الخادم يضحك عليه سراً، وإذا نزلوا أتاهم الطعام فيأكل هو والوقاد في آنية واحدة فإذا أكلوا أمر الخادم الغلمان أن يأتوا بقلة سكر فشرب منها ويعطيها للوقاد فيشرب لكنه لا تنشف له دمعة من الخوف على نفسه والحزن على فراق ضوء المكان وعلى ما وقع لهما في غربتهما وهما سائران والحادب تارة يكون من باب المحفة لأجل خدمة ضوء المكان ابن الملك عمر النعمان ونزهة الزمان وتارة يلاحظ الوقاد وصارت نزهة الزمان وأخوها ضوء المكان في حديث وشكوى.
 ولم يزالا على تلك الحالة وهم سائرون حتى قربوا من البلاد ولم يبق بينهم وبين البلاد إلا ثلاثة أيام فنزلوا وقت المساء واستراحوا ولم يزالوا نازلين إلى أن لاح الفجر فاستيقظوا وأرادوا أن يحملوا وإذا بغبار عظيم قد لاح فهم وأظلم الجو منه حتى صار كالليل الداجي، فصاح الحاجب قائلاً: أمهوا ولا تحملوا وركب هو ومماليكه وساروا نحو ذلك الغبار، فلما قربوا منه بان من تحته عسكر جرار كالبحر الزخار وفيه رايات وأعلام وطبول وفرسان وأبطال فتعجب الحاجب من أمرهم، فلما رآهم العسكر افترقت منه فرقة قدر خمسمائة فارس وأتوا إلى الحاجب هو ومن معه وأحاطوا بهم وأحاط كل خمسة من العسكر بمملوك من مماليك الحاجب فقال لهم الحاجب: أي شيء الخبر ومن أين هذه العساكر حتى تفعل معنا هذه الأفعال؟ فقالوا له: من أنت ومن أين أتيت وإلى أن تتوجه؟ فقال لهم: أنا حاجب أمير دمشق الملك شركان ابن الملك عمر النعمان صاحب بغداد وأرض خراسان أتيت من عنده بالخراج والهدية متوجهاً إلى والده ببغداد، فلما سمعوا كلامه أرخوا مناديلهم على وجوههم وبكوا وقالوا: إن الملك عمر النعمان قد مات وما مات إلا مسموماً، فتوجه وما عليك بأس حتى تجتمع بوزيره الأكبر الوزير دندان.
فلما سمع الحاجب ذلك الكلام بكى بكاء شديداً وقال: واخيبتاه في هذه السفرة وصار يبكي هو ومن معه إلى أن اختلطوا بالعسكر فاستأذنوا له الوزير دندان فأذن له وأمر الوزير بضرب خيامه وجلس على سرير في وسط الخيمة وأمر الحاجب بالجلوس، فلما جلس سأله عن خبره فأعلمه أنه حاجب أمير دمشق وقد جاء بالهدايا وخراج دمشق. فلما سمع الوزير دندان ذلك بكى عند ذكر الملك عمر النعمان، ثم قال له الوزير دندان أن عمر النعمان قد مات مسموماً وبسبب موته اختلف الناس فيمن يولونه بعده حتى أوقعوا القتل في بعضهم ولكن منعهم عن بعضهم الأكابر والأشراف والقضاة الأربعة واتفق جميع الناس على أن ما أشار به القضاة الأربعة لا يخالفهم فيه أحد، فوقع الاتفاق على أننا نسير إلى دمشق ونقصد ولده الملك شركان ونجيء به ونسلطنه من مملكة أبيه، وفيهم جماعة يريدون ولده الثاني وقالوا أنه يسمى ضوء المكان وله أخت تسمى نزهة الزمان وكانا قد توجها إلى أرض الحجاز ومضى لهما خمسن سنين ولم يقع لهما أحد على خبر، فلما سمع الحاجب ذلك علم أن القضية التي وقعت لزوجته صحيحة فاغتم لموت الملك غماً عظيماً ولكنه فرح فرحاً شديداً وخصوصاً بمجيء ضوء المكان لأنه يصير سلطاناً ببغداد مكان أبيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة السادسة والتسعين بلغني أيها الملك السعيد أن حاجب شركان لما سمع من الوزير دندان ما ذكره من خبر الملك عمر النعمان تأسف إلى الوزير دندان وقال: إن قصتكم أعجب من العجائب، اعلم أيها الوزير الكبير أنكم حيث صادفتموني الآن أراحكما لله من التعب وقد جاء الأمر كما تشتهون على أهون سبب لأن الله رد ضوء المكان هو وأخته نزهة الزمان وانصلح الأمر وهان، فلما سمع الوزير دندان هذا الكلام فرح به فرحاً شديداً ثم قال: أيها الحاجب أخبرني بقصتهما وبما جرى لهما وبسبب غيابهما فحدثهما بحديث نزهة الزمان وأنها صارت زوجته، وأخبره بحديث ضوء المكان من أوله إلى آخره. فلما فرغ الحاجب من حديثه أرسل الوزير دندان إلى الأمراء والوزراء وأكابر الدولة وأطلعهم على القصة ففرحوا بذلك فرحاً شديداً وتعجبوا من هذا الاتفاق. ثم اجتمعوا كلهم وجاؤوا عند الحاجب ووقفوا في خدمته وقبلوا الأرض بين يديه، وأقبل الوزير من ذلك الوقت على الحاجب ووقف بين يديه، ثم إن الحاجب عمل في ذلك اليوم ديواناً عظيماً وجلس هو والوزير دندان على التخت وبين أيديهما جميع الأمراء والكبراء وأرباب المناصب على حسب مراتبهم ثم بلوا السكر في ماء الورد وشربوا، ثم قعد الأمراء للمشورة وأعطوا بقية الجيش أذناً في أن يركبوا مع بعضهم ويتقدموا قليلاً حتى يتموا المشورة ويلحقوهم فقبلوا الأرض بين يدي الحاجب وركبوا وقدامهم رايات الحرب. فلما فرغ الكبار من مشورتهم ركبوا ولحقوا العساكر، ثم أرسل الحاجب إلى الوزير دندان وقال له: الرأي عندي أن أتقدم وأسبقكم لأجل أن أهيء للسلطان مكاناً يناسبه وأعلمه بقدومكم وأنكم اخترتموه على أخيه شركان سلطاناً عليكم، فقال الوزير دندان: نعم الرأي الذي رأيته، ثم نهض الوزير دندان تعظيماً له وقدم له التقاديم وأقسم عليه أن يقبلها وكذلك الأمراء والكبار وارباب المناصب قدموا له التقاديم ودعوا له وقالوا له: لعلك تحدث السلطان ضوء المكان في أمرنا ليبقينا مستمرين في مناصبنا فأجابهم لما سألوه، ثم أمر غلمانه بالسير فأرسل الوزير دندان الخيام مع الحاجب وأمر الفراشين أن ينصبوها خارج المدينة بمسافة يوم.
فامتثلوا أمره وركب الحاجب وهو في غاية الفرح وقال في نفسه: ما أبرك هذه السفرة وعظمت زوجته في عينه وكذلك ضوء المكان ثم جد في السفر إلى أن وصل إلى مكان بينه وبين المدينة مسافة يوم ثم أمر بالنزول فيه لأجل الراحة وتهيئة مكان لجلوس السلطان ضوء المكان ابن الملك عمر النعمان ثم نزل من بعيد هو ومماليكه وأمر الخدام أن يستأذنوا السيدة نزهة الزمان في أن تدخل عليهما فاستأذنوها في شأن ذلك فأذنت له فدخل عليها واجتمع بها وبأخيها وأخبرهما بموت أبيهما وأن ضوء المكان جعله الرؤساء ملكاً عليهم عوضاً عن أبيه عمر النعمان وهنأهما بالملك وفي غد يكون هو والجيش كله في هذا المكان وما بقي في الأمر أيها الملك إلا أن تفعل ما أشاروا به لأنهم كلهم اختاروك سلطاناً وأن لم تفعل سلطنوا غيرك وأنت لا تأمن على نفسكم من الذي يتسلطن غيرك فربما يقتلك أو يقع الفشل بينكما ويخرج الملك من أيديكما فأطرق برأسه ساعة من الزمان ثم قال: قبلت هذا الأمر لأنه لا يمكن التخلي عنه.
وتحقق أن الحاجب تكلم بما فيه الرشاد ثم قال للحاجب: يا عم وكيف أعمل مع أخي شركان؟ فقال: يا ولدي أخوك يكون سلطان دمشق وأنت سلطان بغداد، فشد عزمك وجهز أمرك، فقبل منه ضوء المكان ذلك، ثم إن الحاجب قدم إليه البدلة التي كانت مع الوزير دندان من ملابس الملوك وناوله النمشة وخرج من عنده وأمر الفراشين أن يختاروا موضعاً عالياً وينصبوا فيه خيمة واسعة عظيمة للسلطان ليجلس فيها إذا أقدم عليه المراء، ثم أمر الطباخين أن يطبخوا طعاماً فاخراً ويحضروه، وأمر السقائين أن ينصبوا حياض الماء، وبعد ساعة طار الغبار حتى سد الأقطار، ثم انكشف ذلك الغبار وبان من تحته عسكر جرار مثل البحر الزخار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة السابعة والتسعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الحاجب لما أمر الفراشين أن ينصبوا خيمة واسعة لاجتماع الناس عند الملك نصبوا خيمة عظيمة على عادة الملوك، فلما فرغوا من أشغالهم وإذا بغبار قد طار ثم محق الهواء ذلك الغبار وبان من تحته عسكر جرار وتبين أن ذلك العسكر عسكر بغداد وخراسان ومقدمه الوزير دندان وكلهم فرحوا بسلطنة ضوء المكان وقابلهم لابساً خلعة الملك متقلداً بسيف الموكب فقدم له الحاجب الفرس فركب وسار هو ومماليكه وجميع من في الخيام مشى في خدمته حتى دخل القبة الكبيرة وجلس ووضع النمشة على فخذيه ووقف الحاجب في خدمته بين يديه ووقفت مماليكه في دهليز الخيمة وشهروا في أيديهم السيوف ثم أقبلت العساكر والجيوش وطلبوا الإذن فدخل الحاجب واستأذن لهم ضوء المكان فأمر أن يدخلوا عليه عشرة عشرة فأعلمهم الحاجب بذلك فأجابوه بالسمع والطاعة ووقف الجميع على باب الدهليز فدخل عشرة منهم فشق بهم الحاجب في الدهليز ودخل بهم على السلطان ضوء المكان. فما رأوه هابوه فتلقاهم أحسن ملتقى ووعدهم بكل خير فهنئوه بالسلامة ودعوا له وحلفوا له الإيمان الصادقة أنهم لا يخالفون له أمراً ثم قبلوا الأرض بين يديه وانصرفوا ودخل عشرة آخرين ففعل بهم مثل ما فعل بغيرهم ولم يزالوا يدخلون عشرة بعد عشرة حتى لم يبق غير الوزير دندان، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه فقام إليه ضوء المكان وأقبل عليه وقال له: مرحباً بالوزير والوالد الكبير. إن فعلك فعل المشير العزيز والتدبير بيد اللطيف الخبير، ثم إن الملك ضوء المكان قال للوزير دندان: أؤمر العسكر بالإقامة عشرة أيام حتى أختلي بك وتخبرني بسبب قتل أبي.
فامتثل الوزير قول السلطان وقال: لا بد من ذلك، ثم خرج إلى وسط الخيام وأمر العسكر بالإقامة عشرة أيام فامتثلوا أمره، ثم إن الوزير أعطاها إذناً أنهم يتفرجون ولا يدخل أحد من أرباب الخدمة عند الملك مدة ثلاثة أيام فتضرع جميع الناس ودعوا لضوء المكان بدوام العز. ثم أقبل عليه الوزير وأعلمه بالذي كان فصبر إلى الليل ودخل على أخته نزهة الزمان وقال لها: أعلمت بسبب قتل أبي ولم نعلم بسببه كيف كان؟ فقالت: لم أعلم سبب قتله ثم إنها ضربت لها ستارة من حرير وجلس ضوء المكان خارج الستارة وأمر بإحضار الوزير دندان فحضر بين يديه فقال له: أريد أن تخبرني تفصيلاً بسبب قتل أبي الملك عمر النعمان لما أتى من الصيد والقنص وجاء إلى المدينة سأل عنكما فلم يجدكما فعلم أنكما قد قصدتما الحج فاغتم لذلك وازداد به الغيظ وضاق صدره وأقام نصف سنة وهو يستخبر عنكما كل شارد ووارد فلم يخبره أحد عنكما.
فبينما نحن بين يديه يوماً من الأيام بعدما مضى لكما سنة كاملة من تاريخ فقدكما وإذا بعجوز عليها آثار العبادة قد وردت علينا ومعها خمس جوار نهد أبكار كأنهن الأقمار وحوين من الحسن والجمال ما يعجز عن وصفه اللسان، ومع كمال حسنهن يقرأن القرآن ويعرفن الحكمة وأخبار المتقدمين فاستأذنت تلك العجوز في الدخول على الملك فأذن لها فدخلت عليه وقبلت الأرض بين يديه وكنت أنا جالساً بقرب الملك فلما دخلت عليه قربها إليه لما رأى عليها آثار الزهد والعبادة، فلما استقرت العجوز عنده أقبلت عليه وقالت له: اعلم أيها الملك أن معي خمس جوار ما ملك أحد من الملوك مثلهن لأنهن ذوات عقل وجمال وحسن وكمال يقرأن القرآن والروايات ويعرفن العلوم وأخبار الأمم السالفة وهن بين يديك وواقفات في خدمتك يا ملك الزمان وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، فنظر المرحوم والدك إلى الجواري من أخبار الناس الماضين والأمم السابقين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والتسعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال للملك ضوء المكان: فتقدمت واحدة منهن وقبلت الأرض بين يديه وقالت: اعلم أيها الملك أنه ينبغي لذي الأدب أن يتجنب الفضول ويتحلى بالفضائل وأن يؤدي الفرائض ويبتعد عن الكبائر ويلازم ذلك ملازمة من لو أفرد عنه لهلك وأساس الأدب مكارم الأخلاق واعلم أن أسباب المعيشة طلب الحياة والقصد من الحياة عبادة الله، فينبغي أن تحسن خلقك مع الناس وأن لا تعدل عن تلك السنة فإن أعظم الناس خطراً أحوجهم إلى التدبير والملوك أحوج إليه من السوقة لأن السوقة قد تفيض في الأمور من غير نظر في العافية، وأن تبدل في سبيل الله نفسك ومالك واعلم أن العدو خصم تخصيمه بالحجة وتحرز منه، وأما الصديق فليس بينك وبينه قاض يحكم غير حسن الخلق.
فاختر صديقك لنفسك بعد اختياره فإن كان من الإخوان الآخرة فليكن محافظاً على أتباع الظاهر من الشعر عارفاً بباطنه على حسن الإمكان وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حراً صادقاً ليس بجاهل ولا شرير فإن الجاهل أهل لأن يبتعد منه أبوانا والمنافق لا يكون صديقاً لأن الصديق مأخوذ من الصدق الذي يكون ناشئاً عن صميم القلب فكيف به إذا أظهر الكذب على اللسان، واعلم أن أتباع الشرع ينفع صاحبه فتودد لأخيك إذا كان بهذه الصفة ولا تقطعه وإن ظهر لك منه ما تكره فإنه ليس كالمرأة يمكن طلاقها ومراجعتها بل قلبه كالزجاج إذا تصدع لا ينجبر، ولله در القائل:  
احرص على صون القلوب من الأذى      فرجوعها بعد التـنـافـر يعـسـر
إن القـلـوب إذا تـنـافـر ودهـا                        مثل الزجاجة كسرهـا لا يجـبـر
وقالت الجارية في آخر كلامها وهي تشير إلينا: إن أصحاب العقول قالوا: خير الإخوان أشدهم في النصيحة خير الأعمال أجملها عاقبة وخير الثناء ما كان على أفواه الرجال وقد قيل: لا ينبغي للعبد أن يغفل عن شكر الله خصوصاً على نعمتين العافية والعقل، وقيل: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهرته، ومن عظم صغائر المصائب ابتلاه الله بكبارها، ومن أطاع الهوى ضيع الحقوق ومن أطاع الواشي ضيع الصديق، ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه ومن بالغ في الخصومة أثم ومن لم يحذر الحيف لم يأمن السيف. وها أنا أذكر لك شيئاً من آداب القضاة.
اعلم أيها الملك أنه لا ينفع حكم بحق إلا بعد التثبيت وينبغي للقاضي أن يجعل الناس في منزلة واحدة حتى لا يطمع شريف في الجور ولا ييأس ضعيف من العدل وينبغي أيضاً أن يجعل البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حرماً أو حرم حلالاً، وما شككت فيه اليوم فراجع فيه عقلك وتبين به رشدك لترجع فيه إلى الحق فالحق فرع والرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل، ثم اعرف الأمثال وافقه المقال وسو بين الأخصام في الوقوف وليكن نظرك على الحق موقوفاً وفوض أمرك إلى الله عز وجل واجعل البينة على من ادعى فإن حضرت بينته أخذت بحقه وإلا فحلف المدعى عليه وهذا حكم الله. واقبل شهادة عدو المسلمين بعضهم على بعض، فإن الله تعالى أمر الحكام أن تحكم بالظاهر وهو يتولى السرائر، ولزاماً على القاضي أن يتوفى الألم والجوع وأن يقصد بقضائه بين الناس وجه الله تعالى فإن من خلصت نيته وأصلح ما بينه وبين نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس.
وقال الزهري: ثلاث إذا كن في قاض: كان منعزلاً إذا أكرم اللئام وأحب المحامد وكره العزل. وقد عزل عمر بن عبد العزيز قاضياً فقال له: لم عزلتني؟ فقال عمر: قد بلغني عنك أن مقالك أكبر من مقامك. حكي أن الإسكندر قال لقاضيه: إني وليتك منزلة واستودعتك فيها روحي وعرضي ومروءتي فاحفظ هذه المنزلة لنفسك وعقلك وقال لطباخه: إنك مسلط على جسمي فارفق بنفسك فيه وقال لكاتبه: إنك متصرف في عقلي فحفظني فيما تكتبه عني ثم تأخرت الجارية الأولى وتقدمت الثانية. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة التاسعة والتسعين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: ثم تأخرت الجارية الأولى وتقدمت الثانية وقبلت الأرض بين يدي الملك والدك سبع مرات ثم قالت: قال لقمان لابنه: ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاثة مواطن لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ولا الشجاع إلا عند الحرب ولا أخوك إلا عند حاجتك إليه. وقيل: إن الظالم نادم وإن مدحه الناس والمظلوم سليم وإن ذمه الناس. وقال الله تعالى: ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم. وقال عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، واعلم أيها الملك أن أعجب ما في الإنسان قلبه لأن به زمام أمره فإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه الأسى قتله الأسف وإن عظم عنده الغضب اشتد به العطب وإن سعد بالرض أمن من السخط وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته مصيبة ضمنه الجزع وإن استفاد مالاً ربما اشتغل به عن ذكر ربه، وإن أغصته فاقة أشغله الهم وإن أجهده الجذع أقعده الضعف، فعلى كل حالة لا صلاح له إلا بذكر الله واشتغاله بما فيه تحصيل معاشه وصلاح معاده. وقيل لبعض العلماء: من أشر الناس حالاً؟ قال: من غلبت شهوته مروءته وبعدت في المعالي همته فاتسعت معرفته وضاقت معذرته. وما أحسن ما قاله قيس:  
وإني لأغني الناس عن متكـلـف           يرى الناس ضلالاً وما هو مهتدي
وما المال والأخلاق إلا مـعـارة  فكل بما يخفيه في الصدر مرتدي
إذا ما أتيت الأمر من غير بـابـه            ضللت وإذ تدخل من الباب تهتدي
 ثم إن الجارية قالت: وأما أخبار الزهد فقد قال هشام بن بشر. قلت لعمر بن عبيد: ما حقيقة الزهد؟ فقال لي: قد بينه رسول اللهصلى الله عليه وسلم في قوله: الزاهد من لم ينس القبر والبلا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد عداً من أيامه وعد نفسه في الموتى. وقيل: إن أبا ذر كان يقول لي: الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة فقال بعض السامعين: رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من أتكل على حسن الاختيار من الله تعالى رضي بالحالة التي اختارها الله له. وقال بعض الثقات: صل بنا ابن أبي أو في صلاة الصبح فقراً يا أيها المدثر حتى بلغ قوله تعالى فإذا نقر في الناقور فخر ميتاً. ويروى أن ثابتاً البناني بكى حتى كادت أن تذهب عيناه فجاؤوا برجل يعالجه قال: أعالجه بشرط أن يطاوعني قال ثابت: في أي شيء؟ قال الطبيب: في أن لا تبكي قال ثابت: فما فضل عيني أن لم تبكيا. وقال رجل لمحمد بن عبد الله: أوصني. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: وقالت الجارية الثانية لوالدك المرحوم عمر النعمان: وقال رجل لمحمد بن عبد الله: أوصني فقال: أوصيك أن تكون في الدنيا مالكاً زاهداً وفي الآخرة مملوكاً طامعاً قال: وكيف ذلك؟ قال: الزاهد في الدنيا يملك الدنيا والآخرة. وقال غوث بن عبد الله: كان إخوان في بني إسرائيل قال أحدهما للآخر: ما أخوف عمل عملته؟ قال له: إني مررت ببيت فراخ فأخذت منها واحدة ورميتها في ذلك البيت ولكن بيت الفراخ التي أخذها منه فهذا أخوف عمل عملته. فما أخوف ما عملته أنت؟ قال: أما أنا فأخوف عمل أعمله أني إذا قمت للصلاة أخاف أن أكون لا أعمل ذلك إلا للجزاء، وكان أبوهما يسمع كلامهما فقال: اللهم إن كانا صادقين فاقبضهما إليك فقال بعض العقلاء: إن هذين من أفضل الأولاد. وقال سعيد بن صبر: صحبت ابن عبيد فقلت له: أوصني فقال: احفظ عني هاتين الخصلتين: أن لا تشرك بالله شيئاً وأن لا تؤذي من خلق الله أحداً، وأنشد هذين البيتين:  
كن كيف شئت فإن الـلـه ذو كـرم        وأنف الهموم فما في الأمر من بأس
إلا اثنتين فما تـقـربـهـمـا ابـداً                         الشرك بالله والإضرار بـالـنـاس
وما أحسن قول الشاعر:
إذا أنت لم يصحبك زاد من التقى          ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثلـه                         وإنك لم ترصد كما كان أرصدا
ثم تقدمت الجارية الثالثة بعد أن تأخرت الثانية وقالت: إن باب الزهد واسع جداً ولكن ذكر بعض ما يحضرني فيه عن السلف الصالح. قال بعض العارفين: أنا أستبشر بالموت ولا أتيقن فيه راحة فيراني علمت أن الموت يحول بين المرء وبين الأعمال فأرجو مضاعفة العمل الصالح وانقطاع العمل السيء، وكان عطاء السلمي إذا فرغ من وصيته انتفض وارتعد وبكى بكاء شديداً فقيل له: لم ذلك؟ فقال: إني أتريد أن أقبل على أمر عظيم وهو الانتصاب بين يدي الله تعالى للعمل بمقتضى الوصية ولذلك كان علي زين العابدين بن الحسين يرتعد إذا قام للصلاة، فسئل عن ذلك فقال: أتدرون لمن أقوم ولمن أخاطب؟ وقيل كان بجانب سفيان الثوري رجل ضرير فإذا كان يوم القيامة آتي بأهل القرآن فيميزون بعلامة مزيد الكرامة عمن سواهم. وقال سفيان: لو أن النفس استقرت في القلب كما ينبغي لطار فرحاً وشوقاً إلى الجنة وحزناً وخوفاً من النار. وعن سفيان الثوري أنه قال: النظر إلى وجه الظالم خطيئة. ثم تأخرت الجارية الثالثة وتقدمت الجارية الرابعة وقالت: وها أنا أتكلم ببعض ما يحضرني من أخبار الصالحين: روي أن بشر الحافي قال: سمعت خالداً يقول: إياكم وسرائر الشرك فقلت له: وما سرائر الشرك؟ قال: أن يصلي أحدكم فيطيل ركوعه وسجوده حتى يلحقه الحدب. وقال بعض العارفين: فعل الحسنات يكفر السيئات. وقال بعض العارفين: التمست من بشر الحافي شيئاً من سرائر الحقائق فقال: يا بني هذا العلم لا ينبغي أن نعلمه كل أحد فمن كل مائة خمسة مثل زكاة الدرهم. قال إبراهيم بن أدهم: فاستحليت كلامه واستحسنته فبينما أنا أصلي وإذا ببشر يصلي، فقمت وراءه أركع إلى أن يؤذن المؤذن فقام رجل رث الحالة وقال: يا قوم احذروا الصدق الضار ولا بأس بالكذب النافع وليس مع الاضطرار اختيار ولا ينفع الكلام عند العدم كما لا يضر السكوت عند وجود الوجود.
وقال إبراهيم: رأيت بشر سقط منه دانق فقمت إليه وأعطيته درهماً فقال: لا آخذه فقلت: إنه من خالص الحلال فقال: أنا لست أستبدل نعم الدنيا بنعم الآخرة. ويروى أن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الواحدة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: إن الجارية قالت لوالدك: إن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل فقالت له: يا إمام الدين إنا قوم نغزل بالليل ونشتغل بمعاشنا في النهار وربما تمر بنا مشاعل ولاة بغداد ونحن على السطح نغزل في ضوئها فهل يحرم علينا ذلك؟ قال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر الحافي فقال: يا أهل بشر لا أزال أستنشق الورع من قلوبكم. وقال بعض العارفين: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل. وكان ملك بن دينار إذا مر في السوق ورأى ما يشتهيه يقول: يا نفس اصبري فلا أوافقك على ما تريدين. وقال رضي الله عنه: سلامة النفس في مخالفتها وبلاؤها في متابعتها. وقال منصور بن عمار حججت حجة فقصدت مكة من طريق الكوفة وكانت ليلة مظلمة وإذا بصارخ يصرخ في جوف الليلة ويقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك وما أنا جاهل بك ولكن خطيئة قضيتها علي في قديم أزلك فاغفر لي ما فرط مني فإني قد عصيتك بجهلي، فلما فرغ من دعائه تلا هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة وسمعت سقطة لم أعرف لها حقيقة فمضيت، فلما كان الغد مشينا إلى مدرجنا وإذا بجنازة خرجت وراءها عجوز ذهبت قوتها فسألتها عن الميت فقالت: هذه جنازة رجل كان مر بنا البارحة وولدي قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فانفطرت مرارة ذلك الرجل فوقع ميتاً، ثم تأخرت الجارية الرابعة وتقدمت الجارية الخامسة وقالت: ها أنا أذكر بعض ما يحضرني من أخبار السلف الصالح: كان مسلمة بن دينار يقول: عند تصحيح الضمائر نغفر الصغائر والكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه الفتوح وقال: كل نعمة لا تقرب إلى الله فهي بلية وقليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وكثيرها ينسيك قليلها. وسئل أبو حازم: من أيسر الناس؟ فقال: رجل امضى عمره في طاعة الله، قال: فمن أحمق الناس؟ قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره.
وروي أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين قال: رب إني لما أنزلت لي من خير فقير فسأل موسى ربه ولم يسأل الناس وجاءت الجاريتان فسقى لهما ولم تصدر الرعاء فلما رجعتا أخبرتا أباهما شعيباً فقال لهما: لعله جائع ثم قال لإحداهن: ارجعي إليه وادعيه فلما أتته غطت وجهها وقالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فكره موسى ذلك وأراد أن لا يتبعها وكانت امرأة ذات عجز فكانت الريح تضرب ثوبها فيظهر لموسى عجزها فيغض بصره ثم قال لهاك كوني خلفي فمشت خلفه حتى دخل على شعيب والعشاء مهيأ. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: وقالت الجارية الخامسة لوالدك فدخل موسى على شعيب عليهما السلام والعشاء مهيأ فقال شعيب لموسى: يا موسى إني أريد أن أعطيك أجر ما سقيت لهما فقال موسى: أنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بما على الأرض من ذهب وفضة فقال شعيب: يا شاب ولكن أنت ضيفي وإكرام الضيف عادتي وعادة آبائي بإطعام الطعام فجلس موسى فأكل، ثم إن شعيباً استأجر موسى ثماني حجج أي ثماني سنين وجعل أجرته على ذلك تزويجه إحدى ابنتيه وكان عمل موسى لشعيب صداقاً لها كما قال تعالى حكاية عنه أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تؤجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك.
وقال رجل لبعض أصحابه وكان له مدة لم يره: إنك أوحشتني أني ما رأيتك منذ زمان قال: اشتغلت عنك بابن شهاب أتعرفه؟ قال: نعم هو جاري منذ ثلاثين سنة إلا أنني لم أكلمه، قال له: إنك نسيت الله فنسيت جارك ولو أحببت الله لأحببت جارك، أما علمت أن للجار علي حقاً كحق القرابة؟ وقال حذيفة: دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم وكان شقيق البلخي قد حج في تلك السنة فاجتمعنا في الطواف فقال إبراهيم لشقيق: ما شأنكم في بلادكم؟ فقال شقيق: إننا إذا رزقنا أكلنا وإذا جعنا صبرنا فقال: كذا تفعل كلاب بلخ ولكننا إذا رزقنا آثرنا وإذا جعنا شكرنا فجلس شقيق بين يدي إبراهيم قال له: أنت أستاذي. وقال محمد بن عمران: سأل رجل حاتماً الأصم فقال له: ما أمرك في التوكل على الله تعالى؟ قال على خصلتين علمت أن رفاقي لا يأكله غيري فاطمأنت نفسي به وعلمت أني لم أخلق من غير علم الله فاستحييت منه.
ثم تأخرت الجارية الخامسة وتقدمت العجوز وقبلت الأرض بين يدي والدك تسع مرات وقالت: قد سمعت أيها الملك ما تكلم به الجميع في باب الزهد وأنا تابعة لهن فاذكر بعض ما بلغني عن أكابر المتقدمين. قيل: كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقسم الليل ثلاثة أقسام: الثلث الأول للعلم والثاني للنوم والثالث للتهجد وكان الإمام أبو حنيفة يحيي نصف الليل فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال الآخران: إن هذا يحيي الليل كله فلما سمع ذلك قال: إني أستحي من الله أن أوصف بما ليس في فصار بعد ذلك يحيي الليل كله. وقال الربيع: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان سبعين مرة كل ذلك في الصلاة. وقال الشافعي رضي الله عنه: ما شبعت من خبز الشعير عشر سنين لأن الشبع يقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن القيام.
وروي عن عبد الله ومحمد السكري أنه قال: كنت أنا وعمرة نتحدث فقال لي: ما رأيت أروع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي واتفق أنني خرجت أنا والحرث بن لبيب الصغار وكان الحرث تلميذ المزني وكان صوته حسناً فقرأ قوله تعالى: هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون فرأيت الإمام الشافعي تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطراباً شديداً وخر مغشياً عليه فلما أفاق قال: أعوذ بالله من مقام الكذابين وأعراض الغافلين اللهم لك خشعت قلوب العارفين. اللهم هب لي غفران ذنوبي من جودك وجملني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك، ثم قمت وانصرفت وقال بعض الثقات: لما دخلت بغداد كان الشافعي بها فجلست على الشاطئ لأتوضأ للصلاة إذ مر بي إنسان فقال لي: يا غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة فالتفت وإذا برجل يتبعه جماعة فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفوا أثره فالتفت إلي وقال: هل لك من حاجة؟ فقلت: نعم تعلمني مما علمك الله تعالى فقال: اعلم أن من صدق الله ونجا ومن نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى ومن زهد في الدنيا قرت عيناه غداً أفلا أزيدك؟ قلت: بلى قال: كن في الدنيا زاهداً وفي الآخرة راغباً واصدق في جميع أمورك تنج مع الناجين ثم مضى فسألت عنه فقيل لي: هذا الإمام الشافعي. وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: قالت العجوز لوالدك: كان الإمام الشافعي يقول: وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء وقال: ما ناظرت أحداً إلا أحببت أن يوفقه الله تعالى للحق ويعينه على إظهاره وما ناظرت أحداً قط إلا لأجل إظهار الحق وما أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه. وقال رضي الله تعالى عنه: إذا خفت على علمك العجب فاذكر رضا من تطلب وفي أي نعيم ترغب ومن أي عقاب ترهب.
وقيل لأبي حنيفة: إن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور قد جعلك قاضياً ورسم لك بعشرة آلاف درهم فما رضي، فلما كان اليوم الذي توقع أن يؤتى إليه فيه بالمال صلى الصبح ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم ثم جاء رسول أمير المؤمنين بالمال فلما دخل عليه وخاطبه لم يكلمه فقال له رسول الخليفة: إن هذا المال حلال فقال: اعلم أنه حلال لي ولكني أكره أن يقع في قلبي مودة الجبابرة فقال له: لو دخلت إليهم وتحفظت من ودهم قال: هل آمن أن ألج البحر ولا تبتل ثيابي من كلام الشافعي رضي الله عنه:  
ألا يا نفس إن ترضي بقولي      فأنت عزيزة أبـداً غـنـية
دعي عنك المطامع والأماني      فكم أمنية جلبـت غـنـية
ومن كلام سفيان النوري فيما أوصى به علي بن الحسين السلمي: عليك بالصدق وإياك والكذب والخيانة والرياء فإن العمل الصالح يحيطه الله بخصلة من هذه الخصال ولا تأخذ دينك إلا عمن هو مشفق على دينه وليكن جليسك من يزهدك في الدنيا وأكثر ذكر الموت وأكثر الاستغفار واسأل الله السلامة فيما بقي من عمرك وانصح كل مؤمن إذا سألك عن أمر دينه وإياك أن تخون مؤمناً فإن من خان مؤمناً فقد خان الله ورسوله، وإياك الجدال والخصام ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليماً وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر تكن حبيب الله وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك واقبل المعذرة ممن اعتذر إليك ولا تبغض أحداً من المسلمين وصل من قطعك واعف عمن ظلمك تكن رفيق الأنبياء وليكن أمرك مفوضاً إلى الله في السر والعلانية واخش الله من خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث وسائر إلى الحشر والوقوف بين يدي الجبار واذكر مصيرك إلى إحدى الدارين أما إلى جنة عالية وأما إلى نار حامية. ثم إن العجوز جلست إلى جانب الجواري فلما سمع والدك المرحوم كلامهن علم أنهن أفضل أهل زمانهن ورأى حسنهن وجمالهن وزيادة أدبهن فأواهن إليه وأقبل على العجوز فأكرمها وأخلى لها هي وجواريها القصر الذي كانت فيه الملكة إبريزة بنت ملك الروم ونقل إليهن ما يحتجن إليه من الخيرات فأقامت عنده عشرة أيام وكلما دخل عليها يجدها معتكفة على صلاتها وقيامها في ليلها وصيامها فوقع في قلبه محبتها وقال لي: يا وزير إن هذه العجوز من الصالحات وقد عظمت في قلبي مهابتها.
فلما كان اليوم الحادي عشر اجتمع بها من جهة دفع ثمن الجواري إليها فقالت له: أيها الملك اعلم أن ثمن هذه الجواري فوق ما يتعامل الناس به فإني ما أطلب فيهن ذهباً ولا فضة ولا جواهر قليلاً كان ذلك، فلما سمع والدك كلامها تحير وقال: أيها السيدة وما ثمنهن؟ قالت: ما أبيعهن لك إلا بصيام شهر كامل تصوم نهاره وتقوم ليله لوجه الله تعالى فإن فعلت ذلك فهن لك في قصرك تصنع بهن ما شئت. فتعجب الملك من كمال سلاحها وزهدها وورعها وعظمت في عينه وقال نفعنا الله بهذه المرأة الصالحة ثم اتفق معها على أن يصوم الشهر كما اشترطته عليه. فقالت: وأنا أعينك بدعوات أدعو بهن لك فائتني بكوز ماء فأخذته وقرأت عليه وهممت وقعدت ساعة تتكلم بكلام لا تفهمه ولا تعرف منه شيئاً، ثم غطته بخرقة وختمته وناولته لوالدك وقالت له: إذا صمت العشرة الأولى فأفطر في الليلة الحادية عشرة على ما في هذا الكوز فإنه ينزع حب الدنيا من قلبك وبملأه نوراً وإيماناً وفي غد أخرج إلى أخواني وهم رجال الغيب فإني اشتقت إليهم ثم أجيء إليك إذا مضت العشرة الأولى فأخذ والدك الكوز ثم نهض وأفرد له خلوة في القصر ووضع الكوز فيها وأخذ مفتاح الخلوة في جيبه فلما كان النهار صام السلطان وخرجت العجوز إلى حال سبيلها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: فلما كان النهار صام وخرجت العجوز في حال سبيلها وأتم الملك صوم العشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر فتح الكوز وشربه فوجد له في فؤاده فعلاً جميلاً وفي العشرة أيام الثانية من الشهر جاءت العجوز ومعها حلاوة في ورق أخضر يشبه ورق الشجر فدخلت على والدك وسلمت عليه فلما رآها قام وقال لها: مرحباً بالسيدة الصالحة فقالت له: أيها الملك أن رجال الغيب يسلمون عليك لأني أخبرتهم عنك فرحوا بك وأرسلوا معي هذه الحلاوة وهي من حلاوة الآخرة فأفطر عليها في آخر النهار.
ففرح والدك فرحاً زائداً وقال: الحمد لله الذي جعل لي إخواناً من رجال الغيب ثم شكر العجوز وقبل يديها وأكرمها وأكرم الجواري غاية الإكرام ثم مضت مدة عشرين يوماً وأبوك صائم وعند رأس العشرين يوماً أقبلت عليه العجوز وقالت: أيها الملك اعلم أني أخبرت رجال الغيب بما بيني وبينك من المحبة وأعلمتهم بأني تركت الجواري عندك، ففرحوا حيث كانت الجواري عند ملك مثلك لأنهم إذا رأوهن يبالغون في الدعاء المستجاب فأريد أن أذهب بهن إلى رجال الغيب لتحصيل نفحاتهم لهن وربما أنهن لا يرجعن إليك إلا ومعهن كنز من كنوز الأرض حتى أنك بعد تمام صومك تشتغل بكسوتهن وتستعين بالمال الذي يأتيك به على أغراضك فلما سمع والدك كلامها شكرها على ذلك وقال لها: لولا أني أخشى مخالفتي لك ما رضيت بالكنز ولا بغيره ولكن متى تخرجن بهن؟ فقالت له: في الليلة السابعة والعشرين فأرجع بهن إليك في رأس الشهر وتكون أنت قد أوفيت الصوم وحصل استبراؤهن وصرن لك وتحت أمرك. والله أن كل جارية ثمنها أعظم من ملكك مرات، فقال لها: وأنا أعرف ذلك أيتها السيدة الصالحة فقالت له: بعد ذلك ولا بد أن ترسل معهن من يعز عليك من القصر حتى تجد الأنس ويلتمس البركة من رجال الغيب فقال لها: عندي جارية رومية اسمها صفية ورزقت منها بولدين أنثى وذكر ولكنهما فقدا منذ سنتين فخذيها معهن لأجل أن تحصل البركة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان: لعل رجال الغيب يدعون الله لها بأني رد عليها ولديها ويجمع شملنا بهما، فقالت العجوز: نعم ما قلت وكان ذلك أعظم غرضها، ثم إن والدك أخذ في تمام صيامه فقالت له: يا ولدي إني متوجهة إلى رجال الغيب فأحضر لي صفية فدعا بها في ساعتها فسلمها إلى العجوز فخلطتها بالجواري، ثم دخلت العجوز مخدعها وخرجت للسلطان بكأس مختوم وناولته له وقالت: إذا كان يوم الثلاثين فادخل الحمام ثم اخرج منه وادخل خلوة من الخلاوي التي في قصرك واشرب هذا الكأس وثم فقد نلت ما تطلب والسلام مني عليك.
فعند ذلك فرح الملك وشكرها وقبل يدها فقالت له: أستودعك الله فقال لها: ومتى أراك أيتها السيدة الصالحة فإني أود أن لا أفارقك؟ فدعت له وتوجهت ومعها الجواري والملكة صفية وقعد الملك بعدها ثلاثة أيام ثم قام ودخل الحمام وخرج منه إلى الخلوة التي في القصر وأمر أن لا يدخل عليه أحد ورد الباب عليه ثم شرب الكأس ونام ونحن قاعدون في انتظاره إلى آخر النهار فلم يخرج من الخلوة قلنا: لعله تعبان من الحمام ومن سهر الليل وصيام النهار فبسبب ذلك نام، فانتظرناه ثاني يوم فلم يخرج فوقفنا بباب الخلوة وأعلنا برفع الصوت لعله ينتبه ويسأل عن الخبر فلم يحصل منه صوت، فخلعنا الباب ودخلنا عليه فوجدناه قد تمزق لحمه وتفتت عظمه. فلما رأيناه على هذه الحالة عظم علينا ذلك وأخذنا الكأس فوجدنا في غطائه قطعة من ورق مكتوباً فيها: من أساء لا يستوحش منه وهذا جزاء من يحتال على بنات الملوك ويفسدهن والذي نعلم به كل من وقف على هذه الورقة. إن شركان لما جاء بلادنا أفسد علينا الملكة إبريزة وما كفاه ذلك حتى أخذها من عندنا وجاء بها إليكم ثم أرسلها مع عبد أسود فقتلها ووجدناها مقتولة في الخلاء مطروحة على الأرض، فهذا ما هو فعل الملوك، وهذا جزاء من يفعل هذا الفعل إلا ما حل به، وأنتم لا تتهموا أبداً بقتله، ما قتله إلا العاهرة الشاطرة التي اسمها ذات الدواهي، وها أنا أخذت زوجة الملك صفية ومضيت بها إلى والدها أفريدون ملك القسطنطينية، ولا بد أن نغزوكم ونقتلكم ونأخذ منكم الديار فتهلكون عن آخركم ولا يبقى منكم ديار ولا من ينفخ النار إلا من يعبد الصليب والزنار.
فلما قرأنا هذه الورقة علمنا أن العجوز خدعتنا وتمت حيلتها علينا فعند ذلك صرخنا ولطمنا على وجوهنا وبكينا فلما يفدنا البكاء شيئاً، واختلفت العساكر فيمن يجعلونه سلطاناً عليهم فمنهم من يريدك ومنهم من يريد أخاك شركان ولم نزل في هذا الاختلاف مدة شهر، ثم جمعنا بعضنا وأردنا أن نمضي إلى أخيك شركان فسافرنا إلى أن وجدناك. وهذا سبب موت الملك عمر النعمان.
فلما فرغ الوزير من كلامه بكى ضوء المكان هو وأخته نزهة الزمان وبكى الحاجب أيضاً، ثم قال الحاجب لضوء المكان: أيها الملك أن البكاء لا يفيدك شيئاً ولا يفيدك إلا أن تشد قلبك وتقوي عزمك وتؤيد مملكتك ومن خلف ذلك، فعند ذلك سكت عن بكائه وأمر بنصب السرير خارج الدهليز، ثم أمر أن يعرضوا عليه العساكر ووقف الحاجب بجانبه والسلحدراية من ورائه ووقف الوزير دندان قدامه ووقف كل واحد من الأمراء وأرباب الدولة في مرتبته، ثم إن الملك ضوء المكان قال للوزير دندان: أخبرني بخزائن أبي فقال: سمعاً وطاعة وأخبره بخزائن الأموال وبما فيها من الذخائر والجواهر وعرض عليه ما في خزانته من الأموال وبما فيها من الذخائر والجواهر وعرض عليه ما في خزانته من الأموال فأنفق على العساكر وخلع على الوزير دندان خلعة سنية وقال له: أتت في مكانك فقبل الأرض بين يديه ودعا له بالبقاء، ثم خلع على الأمراء ثم إنه قال للحاجب: أعرض علي الذي معك من خراج دمشق فعرض عليه صناديق المال والتحف والجواهر فأخذها وفرقها على العساكر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ضوء المكان أمر الحاجب أن يعرض عليه ما أتى به من خراج دمشق فعرض عليه صناديق المال والتحف والجواهر فأخذها وفرقها على العساكر ولم يبق منها شيئاً، فقبل الأمراء الأرض بين يدي ضوء المكان ودعوا له بطول البقاء وقالوا: ما رأينا ملكاً يعطي مثل هذه العطايا، ثم إنهم مضوا إلى خيامهم فلما أصبحوا أمرهم بالسفر فسافروا ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع أشرفوا على بغداد فدخلوا المدينة فوجدوها قد تزينت، وطلع السلطان ضوء المكان قصر أبيه وجلس على السرير ووقف أمراء العسكر والوزير دندان وحاجب دمشق بين يديه فعند ذلك أمر كاتب السر أن يكتب كتاباً إلى أخيه شركان ويذكر فيه ما جرى من الأول إلى الآخر ويذكر في آخره وساعة وقوفك على هذا المكتوب تجهز أمرك وتحضر بعسكرك حتى تتوجه إلى غزو الكفار ونأخذ منهم الثأر ونكشف العار.
ثم طوى الكتاب وختمه وقال للوزير دندان: ما يتوجه بهذا الكتاب إلا أنت ولكن ينبغي أن تتلطف به في الكلام وتقول له: إن أردت ملك أبيك فهو لك وأخوك نائباً عنك في دمشق كما أخبرنا بذلك. فنزل الوزير دندان من عنده وتجهز للسفر، ثم إن ضوء المكان أمر أن يجعلوا للوقاد مكاناً حسناً ويفرشوه بأحسن الفرش، وذلك الوقاد له حديث طويل. ثم إن ضوء المكان توجه يوماً إلى الصيد والقنص وعاد إلى بغداد فقدم له بعض الأمراء من الخيول والجياد ومن الجواري الحسان ما يعجز عن وصفه اللسان فأعجبته جارية منهن فاختلى بها ودخل عليها في تلك الليلة فعلقت منه من ساعتها. وبعد مدة عاد الوزير دندان من سفره وأخبره بخبر أخيه شركان وإنه قادم عليه وقال له: ينبغي أن تخرج وتلاقيه فقال له ضوء المكان: سمعاً وطاعة. فخرج إليه مع كبار دولته من بغداد مسيرة يوم، ثم نصب خيامه هناك لانتظار أخيه. وعند الصباح أقبل الملك شركان في عساكر الشام ما بين فارس مقدام وأسد ضرغام وبطل مصدام، فلام أشرفت الكتائب وقدمت النجائب وأقبلت المصائب وخفقت أعلام المراكب توجه ضوء المكان هو ومن معه لملاقاتهم فلما عاين ضوء المكان أراد أن يترجل إليه فأقسم عليه شركان أن لا يفعل ذلك، وترجل شركان ومشى نحوه فلما صار بين يدي ضوء المكان رمى ضوء المكان نفسه عليه فاحتضنه شركان إلى صدره وبكيا بكاءاً شديداً وعزى بعضهما بعضاً.
ثم ركب الاثنان وسار العسكر معهما إلى أن أشرفوا على بغداد ونزلوا، ثم تقدم ضوء المكان هو وأخوه شركان إلى قصر الملك وباتا تلك الليلة، وعند الصباح نهض ضوء المكان وأمر أن يجمعوا العساكر من كل ناحية وينادون بالغزو والجهاد ثم أقاموا ينتظرون مجيء الجيوش من سائر البلدان وكل من حضر يكرمونه ويعدونه بالجميل إلى أن مضى على ذلك الحال مدة شهر كامل والقوم يأتون أفواجاً متتابعة، ثم قال شركان لأخيه: يا أخي أعلمني بقضيتك فأعلمه بجميع ما وقع له من الأول إلى الآخر وبما صنعه معه الوقاد من المعروف، فقال له: يا أخي ما كافأته إلى الآن ولكن أكافئه إن شاء الله تعالى لما أرجع من الغزوة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

في الليلة السابعة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان قال لأخيه ضوء المكان أما كافأت الوقاد على معروفه؟ فقال له: يا أخي ما كافأته إلى الآن ولكن إن شاء الله تعالى لما أرجع من الغزوة وأتفرغ له، فعند ذلك عرف شركان أن أخته نزهة الزمان صادقة في جميع ما أخبرته به، ثم كتم أمره وأمرها وأرسل إليها السلام مع الحاجب زوجها فبعثت له أيضاً معه السلام ودعت له وسألت عن ابنتها قضى فأخبرها أنها بعافية وأنها في غاية ما يكون من الصحة والسلامة فحمدت الله تعالى وشكرته، ورجع شركان إلى أخيه يشاوره في أمر الرحيل فقال له: يا أخي لما تتكامل العساكر وتأتي العربان من كل مكان ثم أمر بتجهيز الميرة وإحضار الذخيرة ودخل ضوء المكان إلى زوجته وكان مضى لها خمسة أشهر وجعل أرباب الأقلام وأهل الحساب تحت طاعتها ورتب لها الجرايات والجوامك وسافر في ثالث شهر من حين نزول عسكر الشام بعد أن قدمت العربان وجميع العساكر من كل مكان وسارت الجيوش والعساكر وتتابعت الجحافل وكان اسم رئيس عسكر الديلم رستم واسم رئيس عسكر الترك بهرمان.
وسار ضوء المكان في وسط الجيوش وعن يمينه أخوه شركان وعن يساره الحاجب صهره ولم يزالوا سائرين مدة شهر وكل جمعة ينزلون في مكان يستريحون فيه ثلاثة أيام لأن الخلق كثيرة، ولم يزالوا سائرين على هذه الحالة حتى وصلوا إلى بلاد الروم فنفر أهل القرى والضياع والصعاليك وفروا إلى القسطنطينية فلما سمع أفريدون ملكهم بخبرهم قام وتوجه إلى ذات الدواهي فإنها هي التي دبرت الحيل وسافرت إلى بغداد حتى قتلت الملك عمر النعمان، ثم أخذت جواريها الملكة صفية ورجعت بالجميع إلى بلادها.
فلما رجعت إلى ولدها ملك الروم وأمنت على نفسها قالت لابنها: قر عيناً فقد أخذت لك بثأر ابنتك إبريزة وقتلت الملك النعمان وجئت بصفية، فقم الآن وتوجه إلى ملك القسطنطينية وأظن أن المسلمين لا يثبتون على قتالنا فقال: أمهلي أن يقربوا من بلادنا حتى نجهز أحوالنا، ثم أخذوا في جمع رجالهم وتجهز أحوالهم فلما جاءهم الخبر كانوا قد جهزوا حالهم وجمعوا الجيوش وسارت في أوائلهم ذات الدواهي فلما وصلوا إلى القسطنطينية سمع الملك الأكبر ملكها أفريدون بقدوم حردوب ملك الروم فخرج لملاقاته فلما اجتمع أفريدون بملك الروم سأله عن حاله وعن سبب قدومه فأخبره بما عملته أمه ذات الدواهي من الحيل وأنها قتلت ملك المسلمين وأخذت من عنده الملكة صفية وقالوا أن المسلمين جمعوا عساكرهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أفريدون قال لملك الروم أن المسلمين جمعوا عساكرهم وجاؤوا ونريد أن نكون جميعاً يداً واحدة ونلقاهم، ففرح الملك أفريدون بقدوم ابنته وقتل عمر النعمان وأرسل إلى سائر الأقاليم طالباً منهم النجدة ويذكر لهم أسباب قتل الملك عمر النعمان فهرعت إليه جيوش النصارى فما مر ثلاثة شهور حتى تكاملت جيوش الروم، ثم أقبلت الإفرنج من سائر أطرافها كالفرنسيس والنمسا ودوبره وجورنه وبندق وجنوير وسائر عساكر بني الأصفر، فلما تكاملت العساكر وضاقت بهم الأرض من كثرتهم أمرهم الملك الأكبر أفريدون أن يرحلوا من القسطيطينية فرحلوا واستمر تابع عساكرهم في الرحيل عشرة أيام وساروا حتى نزلوا بواد واسع الأطراف وكان ذلك الوادي قريباً من البحر المالح فأقاموا ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أرادوا أن يرحلوا فأتتهم الأخبار بقدوم عساكر الإسلام وحماة ملة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام فأقاموا فيه ثلاثة أيام أخرى، وفي اليوم الرابع رأوا غباراً طار حتى سد الأقطار فلم تمض ساعة من النهار حتى انجلى ذلك الغبار وتمزق إلى الجو وطارت ومحت ظلمته كواكب الأسنة والرماح وبريق بيض الصفاح وبان من تحته رايات إسلامية وأعلام محمدية، وأقبلت الفرسان كاندفاع البحار في دروع تحسبها سحباً مزررة على أقمار، فعند ذلك تقابل الجيشان والتطم البحران ووقعت العين في العين فأول من برز للقتال الوزير دندان هو وعساكر الشام وكانوا عشرين ألف عنان.
وكان مع الوزير مقدم الترك ومقدم الديلم رستم وبهرام في عشرين ألف فارس وطلع من ورائهم رجال من صوباً لبحر المالح وهم لابسون زرود الحديد وقد صاروا فيه كالبدور السافرة في الليالي العاكرة وصارت عساكر النصارى ينادون عيسى ومريم والصليب المسخم ثم انطبقوا على الوزير دندان ومن معه من عساكر الشام وكان هذا كله تدبير العجوز ذات الدواهي لأن الملك أقبل عليها قبل خروجه وقال لها كيف العمل والتدبير وأنت السبب في هذا الأمر العسير، فقالت: اعلم أيها الملك الكبير والكاهن الخطير أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس ولو استعان عليه بحزبه المتاعيس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك أن هذا كله كان تدبير العجوز لأن الملك كان أقبل عليها قبل خروجها وقال لها: كيف العمل والتدبير وأنت السبب في هذا الأمر العسير فقالت: اعلم أيها الملك الكبير والكاهن الخطير أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس وهو أن ترسل خمسين ألفاً من الرجال ينزلون في المراكب ويتوجهون في البحر إلى أن يصلوا إلى جبل الدخان فيقيمون هناك ولا يرحلون من ذلك المكان حتى تأتيكم أعلام الإسلام فدونكم وإياهم، ثم تخرج إليهم العساكر من البحر ويكونون خلفهم ونحن نقابلهم من البر فلا ينجو منهم أحد وقد زال عنا العناء ودام لنا الهناء فاستصوب الملك أفريدون كلام العجوز وقال: نعم الرأي رأيك يا سيدة العجائز الماكرة ومرجع الكهان في الفتن الثائرة. وحين هجم عليهم عسكر الإسلام في ذلك الوادي لم يشعر إلا والنار تلتهب في الخيام والسيوف تعمل في الأجسام، ثم أقبلت جيوش بغداد وخراسان وهم في مائة وعشرين ألف فارس وفي أوائلهم ضوء المكان، فلما رآهم عسكر الكفار الذين كانوا في البحر طلعوا إليهم من البحر وتبعوا أثرهم فلما رآهم ضوء المكان قال: ارجعوا إلى الكفار يا حزب النبي المختار وقاتلوا أهل الكفار والعدوان في طاعة الرحمن الرحيم وأقبل شركان بطائفة أخرى من عساكر المسلمين نحو مائة ألف وعشرين ألفاً وكانت عساكر الكفار نحو ألف ألف وستمائة ألف، فلما اختلط المسلمون ببعض قويت قلوبهم ونادوا قائلين: إن الله وعدنا بالنصر وأوعد الكفار بالخذلان، ثم تصادموا بالسيف والسنان واخترق شركان الصفوف وهاج في الألوف وقاتل قتالاً تشيب منه الأطفال ولم يزل يجول في الكفار ويعمل فيهم بالصارم البتار وينادي الله أكبر حتى رد القوم إلى ساحل البحر وكانت منهم الأجسام ونصر دين الإسلام والناس يقاتلون وهم سكارى بغير مدام وقد قتل من القوم في ذلك الوقت خمسة وأربعون ألفاً وقتل من المسلمين ثلاثة آلاف وخمسمائة، ثم إن أسد الدين الملك شركان لم ينم في تلك الليلة لا هو ولا أخوه ضوء المكان بل كانا يباشران الناس وينقذان المرضى ويهنئانهم بالنصر والسلامة والثواب في القيامة.
هذا ما كان من أمر المسلمين، وأما ما كان من أمر الملك أفريدون ملك القسطيطينية ومل الروم وأمه العجوز ذات الدواهي فإنهم جمعوا أمراء العسكر وقالوا لبعضهم: إنا كنا بلغنا المراد وشفينا الفؤاد ولكن إعجابنا بكثرتنا هو الذي خذلنا فقالت لهم العجوز ذات الدواهي: إنه لا ينفعكم إلا أنكم تتقربون للمسيح وتتمسكون بالاعتقاد الصحيح، فوحق المسيح ما قوى عسكر المسلمين إلا هذا الشيطان الملك شركان، فقال الملك أفريدون إني قد عولت في غد على أن أصف لهم الصفوف وأخرج لهم الفارس المعروف لوقابن شملوط فإنه إذا برز إلى الملك شركان قتله وقتل غيره من الأبطال حتى لم يبق منهم أحد، وقد عولت في هذه الليلة على تقديسكم بالبخور الأكبر، فلما سمعوا كلامه قبلوا الأرض.
وكان البخور الذي أراده أخوه البطريق الكبير ذو الإنكار والنكير فإنهم كانوا يتنافسون فيه ويستحسنون مساويه حتى كانت أكابر بطارقة الروم يبعثونه إلى سائر أقاليم بلادهم في خرق من الحرير ويمزجونه بالمسك والعنبر فإذا وصل خراؤه إلى الملوك يأخذون منه كل درهم بألف دينار حتى كان الملوك يرسلون في طلبه من أجل بخور العرائس وكانت البطارقة يخلطونه بخرائهم فإن خره البطريق الكبير لا يكفي عشرة أقاليم وكان خواص ملوكهم يجعلون قليلاً منه في كحل العيون ويداوون به المريض والمبطون، فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح وتبادرت الفرسان إلى حمل الرماح. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العاشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما اصبح الصباح عاد الملك أفريدون بخواص بطارقته وأرباب دولته وخلع عليهم ونقش الصليب في وجوههم وبخرهم بالبخور المتقدم ذكره الذي هو خره البطريق الأكبر والكاهن الأكبر فلما بخرهم دعا بحضور لوقا بن شملوط الذي يسمونه سيف المسيح وبخره بالرجيع وحنكه به بعد التبخير ونشقه ولطخ به عوارضه ومسح بالفضلة شواربه وكان ذلك الملعون لوقا ما في بلاد الروم أعظم منه ولا أرمى بالنبال ولا أضرب بالسيف ولا أطعن بالرمح والنزال، وكان بشع المنظر، كان وجهه وجه حمار وصورته صورة قرد وطلعته طلعة الرقيب وقربه أصعب من فراق الحبيب له من الليل ظلمته ومن البحر الأبخرة نكهته ومن القوس قامته ومن الكفر سميته، وبعد ذلك أقبل على الملك أفريدون وقبل قدميه ثم وقف بين يديه فقال الملك أفريدون: إني أريد أن تبرز إلى شركان ملك دمشق ابن عمر النعمان وقد انجلى عنا هذا الشر والهوان فقال: سمعاً وطاعة. ثم أن الملك نقش في وجه الصليب وزعم أن النصر يحصل له عن قريب ثم انصرف لوقا من عند الملك أفريدون وركب الملعون لوقا جواداً أشقر وعليه ثوب أحمر وزردية من الذهب المرصع بالجواهر وحمل رمحاً له ثلاث حراب كأنه إبليس الليل يوم الأحزاب وتوجه هو وحزبه الكفار كأنهم يساقون إلى النار وبينهم مناد ينادي بالعربي ويقول: يا أمة محمدلا يخرج منكم إلا فارسكم سيف الإسلام شركان صاحب دمشق الشام، فما استتم كلامه إلا وضجة في الفلا سمع صوتها جميع الملا وركضات فرقت الصفي واذكرت يوم حنين ففزع اللئام منها ولفتوا الأعناق نحوها وإذا هو الملك شركان ابن الملك النعمان وكان أخوه ضوء المكان لما رأى ذلك الملعون في الميدان وسمع المنادي التفت لأخيه شركان وقال له: إنهم يريدونك فقال: إن كان الأمر كذلك فهو أحب إلي، فلما تحققوا الأمر وسمعوا هذا المنادي وهو يقول في الميدان لا يبرز إلا شركان علموا أن هذا الملعون فارس بلاد الروم وكان قد حلف أن يخلي الأرض من المسلمين وإلا فهو أخسر الخاسرين لأنه هو الذي حرق الأكباد وفزعت من سره الأجناد من الترك والديلم والأكراد، فعند ذلك برز إليه شركان كأنه أسد غضبان وكان راكباً على ظهر جواد يشبه شارد الغزالان فساقه نحو لوقا حتى صار عنده وهز الرمح في يده كأنه أفعى من الحيات، وأنشد هذه الأبيات:  
لي أشقر سمج العنان مـغـاير   يعطيك ما يرضيك من مجهوده
ومثقف لدن السنـان كـأنـمـا  أم المنايا ركبـت فـي عـوده
ومهند غـضـب إذا جـردتـه     خلت البروق تموج في تجريده
فلم يفهم لوقا معنى هذا الكلام ولا حماسة هذا النظام بل لطم وجهه بيده تعظيماً للصليب المنقوش عليه ثم قبلها وأشرع الرمح نحو شركان وكر عليه ثم طوح الحربة بإحدى يديه حتى خفيت عن أعين الناظرين وتلقاها باليد الأخرى كفعل الساحرين ثم رمى بها شركان فخرجت من يديه كأنها شهاب ثاقب، فضجت الناس وخافوا على شركان. فلما قربت الحربة منه اختطفها من الهواء فتحيرت عقول الورى، ثم إن شركان هزها بيده التي أخذها بها النصراني حتى كادان يقصلها ورماها في الجو حتى خفيت عن النظر وتلقاها بيده الثانية في أقرب من لمح البصر وصاح صيحة من صميم قلبه وقال: وحق من خلق السبع الطباق لأجعلن هذا اللعين شهرة في الآفاق ثم رماه بالحربة فأراد لوقا أن يفعل بالحربة كما فعل شركان ومد يده إلى الحربة ليختطفها من الهواء فعاجله شركان بحربة ثانية فضربه بها فوقعت في وسط الصليب الذي في وجهه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار، فلما رأى الكفار لوقا بن سملوط وقع مقتولاً لطموا على وجوههم ونادوا بالويل والثبور واستغاثوا ببطارقة الديور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار لما رأوا لوقا بن شملوط وقع مقتولاً لطموا على وجوههم واستغاثوا ببطارقة الديور وقالوا: أين الصلبان وتزهد الرهبان؟ ثم اجتمعوا جميعاً عليه وأعملوا الصوارم والرماح وهجموا للحرب والكفاح والتقت العساكر بالعساكر وصارت الصدور تحت وقع الحوافر وتحكمت الرماح والصوارم وضعفت السواعد والمعاصم وكان الخيل خلقت بلا قوائم ولا زال منادي الحرب ينادي إلى أن كلت الأيادي وذهب النهار وأقبل الليل بالاعتكار وافترق الجيشان وصار كل شجاع كالسكران من شدة الضرب والطعان وقد امتلأت الأرض بالقتلى وعظمت الجراحات وصار لا يعرف الجريح ممن مات، ثم إن شركان اجتمع بأخيه ضوء المكان والحاجب والوزير دندان، فقال شركان لأخيه ضوء المكان والحاجب: إن الله قد فتح باباً لهلاك الكافرين والحمد لله رب العالمين. فقال ضوء المكان لأخيه: لم نزل نحمد الله لكشف الحرب عن العرب والعجم وسوف تتحدث الناس جيلاً بعد جيل بما صنعت باللعين لوقا محرف الإنجيل وأخذك الحربة من الهواء وضربك لعدو الله بين الورى ويبقى حديثك إلى آخر الزمان. ثم قال شركان: أيها الحاجب الكبير والمقدام الخطير فأجابه بالتلبية فقال له: خذ معك الوزير دندان وعشرين ألف فارس وسر بهم إلى ناحية البحر مقدار سبعة فراسخ وأسرعوا في السير حتى تكونوا قريباً من الساحل بحيث يبقى بينكم وبين القوم قدر فرسخين واختفوا في وهدأت الأرض حتى تسمعوا ضجة الكفار إذا طلعوا من المراكب وتسمعوا الصياح من كل جانب وقد عملت بيننا وبينهم القواضب، فإذا رأيتم عسكرنا تقهقروا إلى الوراء كأنهم منهزمون وجاءت الكفار زاحفة خلفهم من جميع الجهات حتى من جانب الساحل فكونا لهم بالمرصاد وإذا رأيت أنت علماً عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فارفع العلم الأخضر وصح قائلاً: الله أكبر واحمل عليهم من ورائهم واجتهد في أن لا يحول الكفار بين المنهزمين وبين البحر، فقال: السمع والطاعة واتفقوا على ذلك الأمر في تلك الساعة.
ثم تجهزوا وساروا وقد أخذ الحاجب معه الوزير دندان وعشرين ألفاً كما أمر الملك شركان، فلما أصبح الصباح ركب القوم وهم مجردون الصفاح ومعتلون بالرماح وحاملون السلاح وانتشرت الخلائق في الربا والبطاح وصاحت القسوس وكشفت الرؤوس ورفعت الصلبان على قلوع المراكب وقصدوا الساحل من كل جانب وأنزلوا الخيل في البر وعزموا من الكر والفر ولمعت السيوف وتوجهت الجموع وبرقت شهب الرماح على الدروع ودارت طاحون المنايا على الرجال والفرسان وطارت الرؤوس عن الأبدان وخرست الألسن وتغشت الأعين وانفطرت المرائر وعملت البواتر وطارت الجماجم وقطعت المعاصم وخاضت الخيل في الدما وتقابضوا باللحى وصاحت عساكر الإسلام بالصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام وبالثناء على الرحمن بما أولى من الإحسان وصاحت عساكر الكفر بالثناء على الصليب والزنار والعصير والعصار والقسوس والرهبان والشعانين والمطران وتأخر ضوء المكان هو وشركان إلى ورائهما وتقهقرت الجيوش وأظهروا الانهزام للأعداء وزحفت عليهم عساكر الكفر لولهم الهزيمة وتهيئوا للطعن والضرب فاستهل أهل الإسلام قراءة أول سورة البقرة وصارت القتلى تحت أرجل الخيل مندثرة وصار منادي الروم يقول: يا عبدة المسيح وذوي الدين الصحيح يا خدام الجاثليق قد لاح لكم التوفيق، إن عساكر الإسلام قد جنحوا إلى الفرار فلا تولوا عنهم الأدبار فمكنوا السيوف في أقفائهم ولا ترجعوا من ورائهم وإلا برئتم من المسيح بن مريم الذي في المهد تكلم.
وظن أفريدون ملك القسطنطينية أن عساكر الكفار منصورة ولم يعلم أن ذلك من تدبير المسلمين صورة فارسل إلى ملك الروم يبشره بالظفر ويقول له: ما نفعنا لا غائط البطريق الأكبر لما لاحت رائحته من اللحى والشوارب بين عباد الصليب حاضر وغائب وأقسم بالمعجزات النصرانية المريمية والمياه المعمودية، أني لا أترك على الأرض مجاهداً بالكلية وأني مصر على سوء هذه النية، وتوجه الرسول بهذا الخطاب ثم صاح على بعضهم قائلين: خذوا بثأر لوقا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار صاحوا على بعضهم قائلين: خذوا بثأر لوقا، وصار ملك الروم ينادي بالأخذ بثأر إبريزة، فعند ذلك صاح الملك ضوء المكان وقال: يا عباد الملك الديان اضربوا أهل الكفر والطغيان ببيض الصفاح وسمر الرماح فرجع المسلمون على الكفار وأعملوا فيهم الصارم البتار وصار ينادي منادي المسلمين ويقول: عليكم بأعداء الدين يا محب النبي المختار هذا وقت إرضاء الكريم الغفار يا راجي النجاة في اليوم المخيف، إن الجنة تحت ظلال السيوف وإذا بشركان قد حمل ومن معه على الكفار وقطعوا عليهم طريق الفرار وجال بين الصفوف وطاف وإذا بفارس مليح الانعطاف وقد فتح بين عسكر الكفر ميداناً وجال في الكفرة حرباً وطعاناً وملأ الأرض رؤوساً وأبداناً وقد خافت الكفار من حربه ومالت أعناقهم لطعنه وضربه قد تقلد بسيفين لحظ وحسام واعتقل برمحين قناة وقوام بوفرة تغني عن وافر عدد العساكر كما قال فيه الشاعر:   
لا تحسن الوفرة إلا وهـي      منشورة القرعين يوم النزال
على فتى معتقل صـعـده       يعلها من كل وافي السبـال
فلما رآه شركان قال: أعيذك بالقرآن وآيات الرحمن من أنت أيها الفارس من الفرسان فلقد أرضيت بفعلك الملك الديان الذي لا يشغله شأن عن شأن حيث هزمت أهل الكفر والطغيان فناداه الفارس قائلاً: أنت الذي بالأمس عاهدتني فما أسرع ما نسيتني.
ثم كشف اللثام عن وجهه حتى ظهر ما خفي من حسنه فإذا هو ضوء المكان ففرح به شركان إلا أنه خاف عليه من ازدحام الأقران وانطباق الشجعان وذلك لأمرين أحدهما صغر سنه وصيانته عن العين والثاني أن بقاءه للمملكة أعظم الجناحين، فقال له: يا ملك إنك لقد خاطرت بنفسك فالصق جوادك بجوادي فإني لا آمن عليك من الأعادي والمصلحة في أن لا تخرج من تلك العصائب لأجل أن ترمي الأعداء بسهمك الصائب، فقال ضوء المكان أني أردت أن أساويك في النزال ولا أبخل بنفسي بين يديك في القتال.
ثم انطبقت عساكر الإسلام على الكفار وأحاطوا بهم من جميع الأقطار وجاهدوهم حق الجهاد وكسروا شوكة الكفر والعناد والفساد فتأسف الملك أفريدون لما رأى ما حل بالروم من الأمر المذموم وركنوا إلى الفرار يقصدون المراكب، وإذا بالعساكر قد خرجت عليهم من ساحل البحر وفي أوائلهم الوزير دندان مجندل الشجعان وضرب فيهم بالسيف والسنان وكذا بالأمير بهرام صاحب دوائر الشام وهو في عشرين ألف ضرغام وأحاطت بهم عساكر الإسلام من خلف ومن أمام ومالت فرقة من المسلمين على من كان في المراكب وأوقعوا فيهم المعاطب فرموا أنفسهم في البحر وقتلوا منهم جمعاً عظيماً يزيد على مائة ألف خنزير ولم ينج من أبطالهم صغير ولا كبير وأخذوا مراكبهم بما فيها من الأموال والذخائر والأثقال إلا عشرين مركباً، وغنم المسلمون في ذلك اليوم غنيمة ما غنم مثلها في سالف الزمان إذن بمثل هذا الحرب والطعان، ومن جملة ما غنموه خمسون ألفاً من الخيل غير من مزيد بما من الله عليهم من النصر والتأييد.
هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من أمر المنهزمين فإنهم وصلوا إلى القسطنطينية وكان الخبر قد وصل إلى أهاليها أولاً بأن الملك أفريدون هو الظافر بالمسلمين فقالت العجوز ذات الدواهي: أنا أعلم أن ولدي ملك الروم لا يكون من المنهزمين ولا يخاف من الجيوش الإسلامية ويرد أهل الأرض إلى ملة النصرانية، ثم إن العجوز كانت أمرت أفريدون أن يزين البلد فأظهروا السرور وشربوا الخمور وما علموا بالمقدور، فبينما هم في وسط الأفراح إذ نعق عليهم غراب الحزن والأتراح وأقبلت عليهم العشرون مركباً الهاربة وفيها ملك الروم فقابلهم أفريدون ملك القسطنطينية على الساحل وأخبروه بما جرى لهم من المسلمين فزاد بكاؤهم وعلا نحيبهم وانقلبت بشارات الخير بالغم والضير أخبروه أن لوقا بن شملوط حلت به النوائب وتمكن منه سهم المنية الصائب فقامت على الملك أفريدون القيامة وعلم أن اعوجاجهم ليس له استقامة وقامت بينهم المآتم وانحلت منهم العزائم وندبت النوادب وعلا النحيب والبكاء من كل جانب، ولما دخل ملك الروم أفريدون وأخبره بحقيقة الحال وأن هزيمة المسلمين كانت على وجه الخداع والمحال قال له: لا تنتظر أن يصل من العسكر إلا من وصل إليك، فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام وقع مغشياً عليه وصار أنفه تحت قدميه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أفريدون لما أفاق من غشيته نفض خوف جراب معدته فشكا إلى العجوز ذات الدواهي وكانت تلك اللعينة كاهنة من الكهان متقنة للسحر والبهتان عامرة مكارة فاجرة غدارة ولها فم وشعر أشهب وظهر أحدب ولون حائل ومخاط سائل لكنها قرأت كتب الإسلام وسافرت إلى بيت الله الحرام كل ذلك لتطلع على الأدبار وتعرف آيات القرآن ومكثت في بيت المقدس سنتين لتحوز مكر النقلين. فهي آفة من الآفات وبلية من البليات فاسدة الاعتقاد ليست لدين تنقاد وكانت أكثر إقامتها عند ولدها حردوب ملك الروم لأجل الجواري الأبكار لأنها كانت تحب السحاق وإن تأخر عنها تكون في انمحاق وكل جارية أعجبتها تعلمها الحكمة وتسحق عليها الزعفران فيغشى عليها من فرط اللذة مدة من الزمان فمن طاوعتها أحسنت إليها ورعيت ولدها فيها ومن لا تطاوعها تتحايل على هلاكها وبسبب ذلك علمت مرجانة وريحانة وأترجة جواري إبريزة، وكانت الملكة إبريزة تكره العجوز وتكره أن ترقد معها لأن صنانها يخرج من تحت إبطيها ورائحة فسائها أنتن من الجيفة وجسدها أخشن من الليفة وكانت ترغب من يساحقها بالجواهر والتعليم وكانت إبريزة تبرأ منها إلى الحكيم العليم، ولله در القائل:  
يا من تسفل للغـنـي مـذلة   وعلى الفقير لقد علا تياهـا
ويزين شنعته بجمع دراهـم    عطر القبيحة لا يبقى بفساها
ولنرجع إلى حديث مكرها ودواهي أمرها، ثم إنها سارت وسار معها عظماء النصارى وعساكرهم وتوجهوا إلى عسكر الإسلام وبعدها دخل الملك أفريدون على ملك الروم وقال له: أيها الملك ليس لنا حاجة بأمر البطريق الكبير ولا بدعائه بل نعمل برأي أمي ذات الدواهي وتنظر ما تعمل بخداعها غير المتناهي مع عسكر المسلمين فإنهم بقوتهم واصلون إلينا وعن قريب يكونون لدينا ويحيطون بنا. فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام عظم في قلبه فكتب من وقته وساعته إلى سائر أقاليم النصارى يقول لهم: ينبغي أن لا يتخلف أحد من أهل الملة النصرانية والعصابة الصليبية خصوصاً أهل الحصون والقلاع بل يأتون إلينا جميعاً رجالاً ونساء وصبياناً، فإن عسكر المسلمين قد وطئوا أرضنا فالعجل العجل قبل حلول الوجل. هذا ما كان من أمر هؤلاء.
وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها طلعت خارج البلد مع أصحابها وألبستهم زي تجار المسلمين وكانت قد أخذت معها مائة بغل محملة من القماش الأنطاكي ما بين أطلس معدني وديباج ملكي وغير ذلك وأخذت من الملك أفريدون كتاباً مضمونه أن أهل هؤلاء التجار من أرض الشام وكانوا في ديارنا فلا ينبغي أن يتعرض لهم أحد بسوء عشراً أو غيره حتى يصلوا إلى بلادهم ومحل أمنهم لأن التجار بهم عمار البلاد وليسوا من أهل الحرب والفساد ثم إن الملعونة ذات الدواهي قالت لمن معها: إني أريد أن أدبر حيلة على هلاك المسلمين فقالوا لها: أيتها الملكة أؤمرينا بما شئت فنحن تحت طاعتك فلا أحبط المسيح عملك فلبست ثياباً من الصوف الأبيض الناعم وحكت جبينها حتى صار له وسم ودهنته بدهان دبرته حتى صار له ضوء عظيم، وكانت الملعونة نحيلة الجسم غايرة العينين فقيدت رجليها من فوق قدميها وسارت حتى وصلت إلى عسكر المسلمين ثم حلت القيد من رجليها وقد أثر القيد في ساقها ثم دهنتهما بدم الأخوين وأمرت من معها أن يضربوها ضرباً عنيفاً وأن يضعوها في صندوق فقالوا لها: كيف نضربك وأنت سيدتنا ذات الدواهي أم الملك الباهي؟ فقالت: لا لوم ولا تعنيف على من يأتي الكنيف ولأجل الضرورات تباح المحظورات، وبعد أن تضعوني في الصندوق خذوه في جملة الأموال واحملوه على البغال ومروا بذلك فوق عسكر الإسلام ولا تخشوا شيئاً من الملام وإن تعرض لكم أحد من المسلمين فسلموا له البغال وما عليها من الأموال وانصرفوا إلى ملكهم ضوء المكان واستغيثوا به وقولوا له نحن كنا في بلاد الكفر ولم يأخذوا منا شيئاً بل كتبوا لنا توقيعاً أنه لا يتعرض لنا أحد فكيف تأخذون أنتم أموالنا وهذا كتاب ملك الروم الذي مضمونه أن لا يتعرض لنا أحد بمكروه فإذا قال: وما الذي ربحتموه من بلاد الروم في تجارتكم؟ فقولوا له: ربحنا خلاص رجل زاهد وقد كان في سرداب تحت الأرض له فيه خمسة عشر عاماً وهو يستغيث فلا يغاث بل يعذبه الكفار ليلاً ونهاراً ولم يكن عندنا علم بذلك مع أننا أقمنا في القسطنطينية مدة من الزمان وبعنا بضائعنا واشترينا خلافها وجهزنا حالنا وعزمنا على الرحيل إلى بلادنا وبتنا تلك الليلة نتحدث في أمر السفر. فلما أصبحنا رأينا صورة مصورة في الحائط فلما قربنا منها تأملناها فإذا هي تحركت وقالت: يا مسلمين هل فيكم من يعامل رب العالمين؟ فقلنا: وكيف ذلك فقالت تلك الصورة: إن الله أنطقني لكم ليقوي يقينكم ويلهمكم دينكم وتخرجوا من بلاد الكافرين وتقصدوا عسكر المسلمين فإن فيهم سيف الرحمن وبطل الزمان الملك شركان وهو الذي يفتح القسطيطينية ويهلك أهل الملة النصرانية، فإذا قطعتم سفر ثلاثة أيام تجدوا ديراً يعرف بدير مطروحنا وفيه صومعة فاقصدوا بصدق نيكم وتحيلوا على الوصول إليها بقوة عزيمتكم لأن فيها رجلاً عابداً من بيت المقدس اسمه عبد الله وهو من أدين الناس وله كرامات تزيح الشك والإلباس قد خدعه بعض الرهبان وسجنه في سرداب له فيه مدة مديدة من الزمان وفي إنقاذه وضارب العباد لأن فكاكه من أفضل الجهاد، ثم إن العجوز لما اتفقت مع من معها على هذا الكلام من تلك الصورة علمنا أن ذلك العابد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة الرابعة عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما اتفقت مع من معها على الكلام قالت: فإذا ألقى إليكم الملك شركان سمعه فقولوا له، فلما سمعنا هذا الكلام من تلك الصورة علمنا أن ذلك العابد من أكابر الصالحين وعباد الله المخلصين فسافرنا مدة ثلاثة أيام ثم رأينا ذلك الدير فعرجنا عليه وملنا إليه وأقمنا هناك يوماً في البيع والشراء على عادة التجار، فلما ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار عصدنا تلك الصومعة التي فيها السرداب فسمعناه بعد تلاوة الآيات ينشد هذه الأبيات:  
كيداً أكـايده وصـدري ضـيق  وجرى بقلبي بحرهم مغـرق
إن لم يكن فرج فموت عاجـل إن الحمام من الرزايا أرفـق
يا برق إن جئت الديار وأهلهـا            وعلا عليك من البشائر رونق
كيف السبيل إلى اللقاء وبينـنـا           تلك الحروب وباب رهن مغلق
بلغ أحبتنا السلام وقـل لـهـم إني بدير الروم قاص موثـق
ثم قالت: إذا وصلتم بي إلى عسكر المسلمين وصرت أعرف أدبر حيلة في خديعتهم وقتلهم عن أخرهم، فلما سمع النصارى كلام العجوز قبلوا يديها ووضعوها في الصندوق بعد أن ضربوها أشد الضربات الموجعات تعظيماً لها لأنهن يرون طاعتها من الواجب ثم قصدوا بها عسكر المسلمين كما ذكرنا. هذا ما كان من أمر اللعينة ذات الدواهي ومن معها.
وأما ما كان من أمر عسكر المسلمين فإنهم لما نصرهم الله على أعدائهم وغنموا ما كان في المراكب من الأموال والذخائر قعدوا يتحدثون مع بعضهم فقال ضوء المكان لأخيه: إن الله عز وجل قد نصرنا بسبب عذلنا وانقيادنا لبعضنا فكن يا شركان ممتثلاً أمري في طاعة الله، فقال شركان: حباً وكرامة ومد يده إلى أخيه وقال: إن جاءك ولد أعطيته ابنتي قضى فكان ففرح بذلك وصار يهنئ بعضهم بعضاً بالنصر على الأعداء وهنا الوزير دندان شركان وقال لهما: اعلما أيها الملكان أن الله عز وجل نصرنا حيث وهبنا أنفسنا وهجرنا الأهل والأوطان، والرأي عندي أن نرحل وراءهم ونحاصرهم ونقاتلهم لعل الله أن يبلغنا مرادنا ونستأصل أعداءنا وإن شئتم فانزلوا في هذه المراكب وسيروا في البحر ونحن نسير في البر ونصبر على القتال والطعن والنزال، ثم أن الوزير دندان ما زال يحرضهم على القتال وأنشد قول من قال:  
أطيب الطيبات قتل الأعادي   واحتمال على ظهور الجياد
ورسول يأتي بوعد حبـيب      وحبيب يأتي بلا مـيعـاد
وقال آخر:
وإن عمرت جعلت الحرب والدة         والمشرفي أخا والسمهري أبـا
بكل أشعث يلقي الموت مبتسماً          حتى كان له في قتـلـه إربـا
فلما فرغ الوزير دندان من شعره قال: سبحان من أيدنا بنصره العزيز وأظفرنا بغنيمة الفضة والإبريز، ثم أمر ضوء المكان العسكر بالرحيل فسافروا طالبين القسطنطينية وجدوا في سيرهم حتى أشرفوا على مرج فسيح وفيه كل شيء مليح ما بين وحوش تمرح وغزلان تسنح وكانوا قد قطعوا مغاور كثيرة وانقطع عنهم الماء ستة أيام، فلما أشرفوا على ذلك المرج نظروا تلك العيون النابعة والأثمار اليانعة وتلك الأرض كأنها جنة أخذت زخرفها وازّينت وسكرت أغصانها من رحيق الظل فتمايلت وجمعت بين عذوبة التنسيم فتدهش العقل والناظر كما قال الشاعر: 
انظر إلى الروض النضير كأنما   نشرت عليه ملاءة خـضـراء
إن ما سنحت بلحظ عينك لا ترى         إلا غديراً جـال فـيه الـمـاء
وترى بنفسك عـزة فـي دوحة إذ فوق رأسك حيث سرت لواء
وما أحسن قول الآخر:
النهر خد بـالـشـعـاع مـورد   قد دب فيه عذار ظـل الـبـان
والماء في سوق الغصون خلاخل            من فضة والزهر كالتـيجـان
فلما نظر ضوء المكان إلى ذلك المرج الذي التفت أشجاره وزهت أزهاره وترنمت أطياره نادى أخاه شركان وقال له: إن دمشق ما فيها مثل هذا المكان فلا نرحل منه إلا بعد ثلاثة أيام نأخذ راحة لأجل أن تنشط عساكر الإسلام وتقوي نفوسهم على لقاء الكفرة اللئام فأقاموا فيه.
فبينما هم كذلك إذ سمعوا أصواتاً من بعيد فسأل عنهم ضوء المكان فقيل أنها قافلة تجار من بلاد الشام كانوا نازلين في هذا المكان للراحة ولعل العساكر صادفوهم وربما أخذوا شيئاً من بضائعهم التي معهم حيث كانوا في بلاد الكفار وبعد ساعة جاء التجار وهم صارخون يستغيثون بالملك، فلما رأى ضوء المكان ذلك أمر بإحضارهم فحضروا بين يديه وقالوا: أيها الملك إنا كنا في بلاد الكفار ولم ينهبوا منا شيئاً فكيف تنهب أموالنا أخواننا المسلمون ونحن أخبرناك بما حصل لنا؟ ثم أخرجوا له كتاب ملك القسطنطينية فأخذه شركان وقرأه ثم قال لهم: سوف نرد عليكم ما أخذ منكم ولكن كان من الواجب أن لا تحملوا تجارة إلى بلاد الكفار فقالوا: يا مولانا إن الله سيرنا إلى بلادهم لنظفر بما لم يظفر به أحد من الغزاة ولا أنتم في غزوتكم، فقال له شركان: وما الذي ظفرتم به؟ فقالوا: ما نذكر لك ذلك إلا في خلوة لن هذا الأمر إذا شاع بين الناس ربما اطلع عليه أحد فيكون ذلك سبباً لهلاكنا وهلاك كل من توجه إلى بلاد الروم من المسلمين، وكانوا قد خبئوا الصندوق الذي فيه اللعينة ذات الداوهي، فأخذهم ضوء المكان وأخوه واختليا بهم فشرحوا لهما حديث الزاهد وصاروا يبكون حتى أبكوهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن النصارى الذين في هيئة التجار لما اختلى بهم ضوء المكان وأخوه شركان شرحوا لهما حديث الزاهد وبكوا حتى أبكوهما وأخبروهما كما أعلمتهم الكاهنة ذات الدواهي فرق قلب شركان للزاهد وأخذته الرأفة عليه وقامت به الحمية لله تعالى وقال لهم: هل خلصتم هذا الزاهد أم هو في الدير إلى الآن؟ فقالوا: بل خلصناه وقتلنا صاحب الدير من خوفنا على أنفسنا ثم أسرعنا في الهرب خوفاً من العطب، وقد أخبرنا بعض الثقات أن في هذا الدير قناطير من الذهب والفضة والجواهر.
وبعد ذلك أتوا بالصندوق وأخرجوا منه تلك الملعونة كأنها قرن خيار شنبر من شدة السواد والنحول وهي مكبلة بتلك السلاسل والقيود، فلما نظرها ضوء المكان هو والحاضرون ظنوا أنها رجل من خيار العباد ومن أفضل الوهاد خصوصاً وجبينها يضيء من الدهان الذي دهنت به وجهها، فبكى ضوء المكان وأخوه شركان بكاء شديداً ثم قاموا إليها وقبلا يديها ورجليها وصارا ينتحبان، فأشارت إليهما وقالت: اعلما أني قد رضيت بما صنعه بي مولاي لأني أرى أن البلاء الذي حل بي لأجل أن أموت تحت حوافر خيل المجاهدين الذين هم بعد القتل أحياء غير أموات، ثم أنشدت هذه الأبيات:  
الحصن طور ونار الحرب موقـدة          وأنت موسى وهذا الوقت ميقـات
ألق العصا تتلقف كل ما صنـعـوا         ولا تخف ما حبال القـوم حـيات
فاقرأ سطور العدا يوم الوغى سورا        فإن سيفك فـي الأعـنـاق آيات
فلما فرغت العجوز من شعرها تناثرت من عينيها المدامع وجبينها بالدهان كالضوء اللامع فقام إليها شركان وقبل يدها وأحضر لها الطعام فامتنعت وقالت: إني لم أفطر من مدة خمسة عشر عاماً فكيف أفطر في هذه الساعة وقد جاد على المولى بالخلاص من أسر الكفار ودفع عني ما هو أشق من عذاب النار فأنا أصبر إلى الغروب.
فلما جاء وقت العشاء أقبل شركان هو وضوء المكان وقدما إليها الأكل وقالا لها: كل أيها الزاهد فقالت: ما هذا وقت الأكل وإنما هذا وقت عبادة الملك الديان. ثم انتصبت في المحراب تصلي إلى أن ذهب الليل ولم تزل على هذه الحالة ثلاثة أيام بلياليها هي لا تقعد إلا وقت التحية، فلما رآها ضوء المكان على تلك الحالة ملك قلبه حسن الاعتقاد فيها وقال لشركان: اضرب خيمة من الأديم لذلك العابد ووكل فراشاً بخدمته، وفي اليوم الرابع دعت بالطعام فقدموا لها من الألوان ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فلم تأكل من ذلك كله إلا رغيفاً واحداً ثم نوت الصوم، ولما جاء الليل قامت إلى الصلاة فقال شركان لضوء المكان: أما هذا الرجل فقد زهد الدنيا غاية الزهد ولولا هذا الجهاد لكنت لازمته وأعبد الله بخدمته حتى ألقاه، وقد اشتهيت أن أدخل معه الخيمة وأتحدث معه ساعة، فقال له ضوء المكان: وأنا كذلك ولكن نحن في غد ذاهبون إلى غزو القسطنطينية ولم نجد لنا مثل هذه الساعة فقال الوزير دندان: وأنا الآخر اشتهي أن أرى ذلك الزاهد لعله يدعو لي بقضاء نحبي في الجهاد ولقاء ربي، فإني زهدت الدنيا.
فلما جن الليل دخلوا على تلك الكاهنة ذات الدواهي في خيمتها فرأوها قائمة تصلي فدنوا منها وصاروا يبكون رحمة لها وهي لا تلتفت إليهم إلى أن انتصف الليل فسلمت من صلاتها ثم أقبلت عليهم وحيتهم وقالت لهم: لماذا جئتم؟ فقالوا لها: أيها العابد أما سمعت بكاءنا حولك؟ فقالت: إن الذي يقف بين يدي الله لا يكون له وجود في الكون حتى يسمع صوت أحد أو يراه، ثم قالوا: إننا نشتهي أن تحدثنا بسبب أسرك وتدعو لنا في هذه الليلة فإنها خير لنا من ملك القسطنطينية، فلما سمعت كلامهم قالت: والله لولا أنكم أمراء المسلمين ما أحدثكم بشيء من ذلك أبداً فإني لا أشكو إلا إلى الله وها أنا أخبركم بسبب أسري: اعلموا أنني كنت في القدس مع بعض الأبدال وأرباب الأحوال وكنت لا أتكبر عليهم لأن الله سبحانه وتعالى أنعم علي بالتواضع والزهد فاتفق أنني توجهت إلى البحر ليلة ومشيت على الماء فداخلني العجب من حيث لا أدري وقلت في نفسي: من مثلي يمشي على الماء فقسا قلبي من ذلك الوقت وابتلاني الله تعالى بحب السفر فسافرت إلى بلاد الروم وجلت في أقطارها سنة كاملة حتى لم أترك موضعاً إلا عبدت الله فيه، فلما وصلت إلى هذا المكان صعدت إلى هذا الجبل وفيه دير راهب يقال له مطروحنا، فلما رآني خرج إلي وقبل يدي ورجلي وقال: إني رأيتك منذ دخلت بلاد الروم وقد شوقني إلى بلاد الإسلام ثم أخذ بيدي وأدخلني في ذلك الدير ثم دخل بي إلى بيت مظلم فلما دخلت غافلني وأغلق الباب علي وتركني فيه أربعين يوماً من غير طعام ولا شراب وكان قصده بذلك قتلي صبراً، فاتفق في بعض الأيام أنه دخل ذلك الدير بطريق يقال له دقيانوس ومعه عشرة من الغلمان ومعه ابنة يقال لها تماثيل ولكنها في الحسن ليس لها مثيل. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز ذات الدواهي قالت: إن البطريق دخل علي ومعه عشرة من الغلمان ومعه ابنة غاية في الجمال ليس لها مثيل، فلما دخلوا الدير أخبرهم الراهب مطروحنا بخبري فقال البطريق: أخرجوه لنه لم يبق من لحمه ما يأكله الطير ففتحوا باب ذلك البيت المظلم فوجدوني منتصباً في المحربا أصلي وأقرأ وأسبح وأتضرع إلى الله تعالى فلما سمعوا كلامه قاموا جميعاً ودخلوا علي، وأقبل علي دقيانوس هو وجماعته وضربوني ضرباً عنيفاً فعند ذلك تمنيت الموت ولمت نفسي وقلت: هذا جزاء من يتكبر ويعجب بما أنعم عليه ربه مما ليس في طاقته، وأنت يا نفسي قد داخلك العجب والكبر أما علمت أن الكبر يغضب الرب ويقسي القلب ويدخل الإنسان في النار ثم بعد ذلك قيدوني وردوني إلى مكاني وكان سرداباً في ذلك البيت تحت الأرض وكل ثلاثة أيام يرمون إلي قرص من الشعير وشربة ماء وكل شهر أو شهرين يأتي البطريق ويدخل ذلك الدير وقد كبرت ابنته تماثيل لأنها كانت بنت تسع سنين حين رأيتها ومضى لي في الأسر خمس عشرة سنة فجملة عمرها أربعة وعشرون عاماً، وليس في بلادنا ولا في بلاد الروم أحسن منها وكان أبوها يخاف عليها من الملك أن يأخذها منه لأنها وهبت نفسها للمسيح غير أنها تركب مع أبيها في زي الرجال الفرسان وليس لها مثيل في الحسن ولم يعلم من رآها أنها جارية وقد خزن أبوها أمواله في هذا الدير لأن كل ما كان عنده شيء من نفائس الذخائر يضعه في ذلك الدير، وقد رأيت فيه من أنواع الذهب والفضة والجواهر وسائر الألوان والتحف ما لا يحصي عدده إلا الله.
فأنتم أولى به من هؤلاء الكفرة، فخذوا ما في هذا الدير وأنفقوه على المسلمين وخصوصاً المجاهدين. ولما وصل هؤلاء التجار إلى القسطنطينية وباعوا بضاعتهم كلمتهم تلك الصورة التي في الحائط كرامة أكرمني الله بها فجاؤوا إلى ذلك الدير وقتلوا البطريق مطروحنا بعد أن عاقبوه أشد العقاب وشدوه من لحيته فدلهم على موضعي فأخذوني ولم يكن لهم سبيل إلا الهرب خوفاً من العطب. وفي ليلة غد تأتي تماثيل إلى ذلك الدير على عادتها ويلحقها أبوها مع غلمانه لأنه يخاف عليها، فإن شئتم أن تشاهدوا هذا الأمر فخذوني بين أيديكم وأنا أسلم لكم الأموال وخزانة البطريق دقيانوس التي في ذلك الجبل وقد رأيتهم يخرجون أواني الذهب والفضة يتسربون فيها ورأيت عندهم جارية تغني لهم بالعربي، فواحسرتاه لو كان الصوت الحسن في قراءة القرآن، وإن شئتم فادخلوا هذا الدير واكمنوا فيه إلى أن يصل دقيانوس وتماثيل معه، فخذوها فإنها لا تصلح إلا لملك الزمان وشركان وللملك ضوء المكان.
ففرحوا بذلك حين سمعوا كلامها إلا الوزير دندان فإنه ما دخل كلامها في عقله وإنما كان يتحدث معها لأجل خاطر الملك وصار باهتاً في كلامها ويلوح على وجهه علامة الإنكار عليها، فقالت ذات الدواهي: إني أخاف أن يقبل البطريق وينظر هذه العساكر في المرج فما يجسر أن يدخل الدير فأمر السلطان العسكر أن يرحلوا صوب القسطنطينية، وقال ضوء المكان: إن قصدي أن نأخذ معنا مائة فارس وبغالاً كثيرة ونتوجه إلى ذلك الجبل ونحملهم المال الذي في الدير.
ثم أرسل من وقته وساعته إلى الحاجب الكبير فأحضره بين يديه وأحضر المقدمين والأتراك والديلم وقال: إذا كان وقت الصباح فارحلوا إلى القسطنطينية أنت أيها الحاجب تكون عوضاً عني في الرأي والتدبير، وأنت يا رستم تكون نائباً عن أخي في القتال ولا تعلموا أحد أننا لسنا معكم وبعد ثلاثة أيام نلحقكم. ثم انتخب مائة فارس من الأبطال وانحاز هو وأخوه الوزير دندان والمائة فارس وأخذوا معهم البغال والصناديق لأجل حمل المال. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما أصبح الصباح نادى الحاجب بين العسكر بالرحيل فرحلوا وهم يظنون أن شركان وضوء المكان والوزير دندان معهم ولم يعلموا أنهم ذهبوا إلى الدير. هذا ما كان من أمرهم. وأما ما كان من أمر شركان وأخيه ضوء المكان والوزير دندان فإنهم أقاموا إلى آخر النهار، وكان الكفار أصحاب ذات الدواهي رحلوا خفية بعد أن دخلوا عليها وقبلوا الأرض بين يديها ورجليها واستأذنوها في الرحيل فأذنت لهم وأمرتهم بما شاءت من المكر. فلما جن الظلام قالت العجوز لضوء المكان هو وأصحابه: قوموا معي إلى الجبل وخذوا معكم قليلاً من العسكر فأطاعوها وتركوها في سفح الجبل مع خمسة فوارس بين يدي ذات الدواهي وصار عندها قوة من شدة فرحها، وصار ضوء المكان يقول: سبحان من قوى هذا الزاهد الذي ما رأينا مثله. وكانت الكاهنة قد أرسلت كتاباً على أجنحة الطير إلى ملك القسطيطينية تخبره بما جرى. وقالت في آخر الكتاب: أريد أن تنفذ لي عشرة آلاف فارس من شجعان الروم يكون سيرهم في سفح الجبل خفية لأجل أن لا يراهم عسكر الإسلام ويأتون إلى الدير ويكمنون فيه حتى أحضر إليهم ومعي ملك المسلمين وأخوه فإني خدعتهما وجئت بهما ومعهما الوزير ومائة فارس لا غير وسوف أسلم إليهم الصلبان التي في الدير وقد عزمت على قتل الراهب مطروحنا لأن الحيلة لا تتم إلا بقتله فإن تمت الحيلة فلا يصل من المسلمين إلى بلادهم لا ديار ولا من ينفخ النار ويكون مطروحنا فداء لأهل الملة النصرانية والعصابة الصليبية والشكر للمسيح أولاً وآخراً.
فلما وصل الكتاب إلى القسطنطينية جاء براج الحمام إلى الملك أفريدون بالورقة فلما قرأها أنفذ من الجيش وقته وجهز كل واحد بفرس وهجين وبغل وأمرهم أن يصلوا إلى ذلك الدير. هذا ما كان من أمر هؤلاء. وأما ما كان من أمر ضوء المكان وأخيه شركان والوزير دندان والعسكر، فإنهم لما وصلوا إلى الدير دخلوه فرأوا الراهب مطروحنا قد أقبل لينظر حالهم فقال الزاهد: اقتلوا هذا اللعين فضربوه بالسيوف وأسقوه كأس الحتوف، ثم مضت بهم الملعونة إلى موضع النذور فأخرجوا منه التحف والذخائر أكثر مما وصفته لهم، وبعد أن جمعوا ذلك وضعوه في الصناديق وحملوه على البغال وأما تماثيل فإنها لم تحضر هي ولا أبوها خوفاً من المسلمين فأقام ضوء المكان في انتظارها ذلك النهار وثاني يوم وثالث يوم، فقال شركان: والله إن قلبي مشغول بعسكر الإسلام ولا أدري ما حالهم.
فقال أخوه: إنا قد أخذنا هذا المال وما أظن أن تماثيل ولا غيرها يأتي إلى هذا الدير بعد أن جرى لعسكر الروم ما جرى فينبغي أننا نقنع بما يسره الله لنا ونتوجه لعل الله يعيننا على فتح القسطيطينية، ثم نزلوا من الجبل فما أمكن ذات الدواهي أن تتعرض لهم خوفاً من التفطن لخداعها، ثم أنهم ساروا إلى باب الشعب وإذا بالعجوز قد أكمنت لهم عشرة آلاف فارس فلما رأوهم احتاطوا بهم من كل جانب وأسرعوا نحو الرماح وجردوا عليهم بيض السفاح ونادى الكفار بكلمة كفرهم وفرقعوا سهام شرهم.
فنظر ضوء المكان وأخوه شركان والوزير دندان إلى هذا الجيش فرأوه جيشاً عظيماً وقالوا: من أعلم هذه العساكر بنا؟ فقال شركان: يا أخي ما هذا وقت كلام بل هذا وقت الضرب بالسيف والرمي بالسهام فشدوا عزمكم وقووا نفوسكم فإن هذا الشعب مثل الدرب له بابان، وحق سيد العرب والعجم لولا أن هذا المكان ضيق لكنت أفنيتهم ولو كانوا مائة ألف فارس. فقال ضوء المكان: لو علمنا لأخذنا معنا خمسة آلاف فارس فقال الوزير دندان: لو كان معنا عشرة آلاف فارس في هذا المكان لا تفيدنا شيئاً ولكن الله يعيننا عليهم وأنا أعرف هذا الشعب وضيقه وأعرف أن فيها مفاوز كثيرة لأني قد غزوت فيه مع الملك عمر النعمان حين حاصرنا القسطنطينية وكنا نقيم فيه وفيه ماء أبرد من الثلج فانهضوا بنا لنخرج من هذا الشعب قبل أن يكثر عليها عساكر الكفار ويسبقونا إلى رأس الجبل فيرموا علينا الحجارة ولا نملك فيهم إرباً. فأخذوا في الإسراع من ذلك الشعب فنظر إليهم الزاهد وقال لهم: ما هذا الخوف وأنتم قد بعتم أنفسكم لله تعالى في سبيله، والله إني مكثت مسجوناً تحت الأرض خمسة عشر عاماً ولم أعترض على الله فيما فعل بي، فقاتلوا في سبيل الله فمن قتل منكم فالجنة مأواه ومن قتل فإلى الشرف مسعاه. فلما سمعوا من الزاهد هذا الكلام زال عنهم الهم والغم وثبتوا حتى هجم عليهم الكفار من كل مكان ولعبت في أعناقهم السيوف ودارت بينهم كأس الحتوف وقاتل المسلمون في طاعة الله أشد قتال وأعملوا في أعدائهم الأسنة والنصال وصار ضوء المكان يضرب الرجال ويجندل الأبطال ويرمي رؤوسهم خمسة خمسة وعشرة عشرة حتى أفنى منهم عدداً لا يحصى ورجالاً يستقصى فبينما هو كذلك إذ نظر الملعونة وهي تشير بالسيف إليهم وتقويهم جانب وكل ما خاف يهرب إليها وصارت تومئ إليهم بقتل شركان فيميلون إلى قتله فرقة بعد فرقة وكل فرقة حملت عليه يحمل عليها ويهزمها وتأتي بعدها فرقة أخرى حاملة عليها فيردها بالسيف على أعقابها، فظن أن نصره عليهم ببركة العابد وقال في نفسه: إن هذا العابد قد نظر إليه بعين عنايته وقوى عزمي على الكفار بخالص نيته فأراهم يخافونني ولا يستطيعون الإقدام علي بل كلما حملوا علي يولون الأدبار ويركنون إلى الفرار ثم قاتلوا بقية يومهم إلى آخر النهار ولما أقبل الليل نزلوا في مغارة من ذلك الشعب من كثرة ما حصل لهم من الوبال ورمي الحجارة وقتل منهم في ذلك اليوم خمسة وأربعون رجلاً ولما اجتمعوا مع بعضهم فتشوا على ذلك الزاهد فلم يروا له أثر فعظم عليهم ذلك وقالوا: لعله استشهد فقال شركان: أنا رأيته يقوي الفرسان بالإشارة الربانية ويعيدهم بالآيات الرحمانية فبينما هم في الكلام وإذا بالملعونة ذات الدواهي قد أقبلت وفي يدها رأس البطريق الكبير الرئيس على العشرين ألفاً وكان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً وقد قتله رجل من الأتراك بسهم فعجل الله بروحه إلى النار فلما رأى الكفار ما فعل ذلك المسلم بصاحبهم مالوا بكليتهم عليه وأوصلوا الأذية إليه وقطعوه بالسيوف فعجل الله به إلى الجنة.
ثم إن الملعونة قطعت رأس ذلك البطريق وأتت به وألقته بين يدي شركان والملك ضوء المكان والوزير دندان، فلما رآها شركان وثب قائماً على قدميه وقال: الحمد لله على رؤيتك أيها العابد المجاهد الزاهد فقالت: ولدي إني قد طلبت الشهادة في هذا اليوم فصرت أرمي روحي بين عسكر الكفار يهابونني فلما انفصلتم أخذتني الغيرة عليكم وهجمت على البطريق الكبير رئيسهم وكان يعد بألف فارس فضربته حتى أطحت رأسه عن بدنه ولم يقدر أحد من الكفار أن يدنو مني وأتيت برأسه إليكم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن اللعينة ذات الدوهي قالت: أتيت برأسه إليكم لتقوى نفوسكم على الجهاد وترضوا بسيوفكم رب العباد وأريد أن أشغلكم في الجهاد وأذهب إلى عسكركم ولو كانوا على باب القسطنطينية وآتيكم من عندهم بعشرين ألف فارس يهلكون هؤلاء الكفرة فقال شركان: وكيف تمضي إليهم أيها الزاهد والوادي مسدود بالكفار من كل جانب؟ فقالت الملعونة: الله يسترني عن أعينهم فلا يروني ومن رآني لا يجسر أن يقبل علي فإني في ذلك الوقت أكون فانياً في الله وهو يقاتل عني أعداءه. فقال شركان: صدقت أيها الزاهد لأني شاهدت ذلك وإذا كنت تقدر أن تمضي أول الليل يكون أجود لنا، فقال: أنا أمضي في هذه الساعة وإن كنت تريد أن تجيء معي ولا يراك أحد فقم وإن كان أخوك يذهب معنا أخذناه دون غيره فإن ظل الولي لا يستر غير اثنين فقال شركان: أما أنا فلا أترك أصحابي ولكن إذا كان أخي يرضى بذلك فلا بأس حيث ذهب معك وخلص من هذا الضيق فإنه هو حصن المسلمين وسيف رب العالمين وإن شاء فليأخذ معه الوزير دندان أو من يختار. ثم يرسل إلينا عشرة آلاف فارس إعانة على هؤلاء اللئام. واتفقوا على هذا الحال ثم أن العجوز قالت: أمهلوني حتى أذهب قبلكم وأنظر حال الكفرة هل هم نيام أو يقظون فقالوا: ما نخرج إلا معك ومسلم أمرنا لله فقالت: إذا طاوعتكم لا تلوموني ولوموا أنفسكم فالرأي عندي أن تمهلوني حتى أكتشف خبرهم فقام شركان وحدث أخاه بعد خروجهما وقال: إن هذا الزاهد صاحب كرامات ما قتل هذا البطريق الجبار وفي هذا القدر كفاية في كرامة هذا الزاهد وقد انكسرت شوكة الكفار بقتل هذا البطريق لأنه كان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً فبينما هم يتحدثون في كرامات الزاهد، وإذا باللعينة ذات الدواهي قد دخلت عليهم ووعدتهم بالنصر على الكفرة فشكروا الزاهد على ذلك ولم يعلموا أن هذا حيلة وخداع، ثم قالت اللعينة: أين ملك الزمان ضوء المكان؟ فأجابها بالتلبية فقالت له: خذ معك وزيرك وسر خلفي حتى نذهب إلى القسطنطينية وكانت ذات الدواهي قد أعلمت الكفار بالحيلة التي عملتها ففرحوا بذلك غاية الفرح وقالوا: ما يجبر خاطرنا إلا قتل ملكهم في نظير قتل البطريق لأنه لم يكن عندنا أفرس منه وقالوا لعجوز النحس ذات الدواهي حين أخبرتهم بأنها تذهب إليهم بملك المسلمين إذا أتيت به نأخذه إلى الملك أفريدون.
ثم إن العجوز ذات الدواهي توجهت وتوجه معها ضوء المكان والوزير دندان وهي سابقة عليهما وتقول لهما: سيروا على بركة الله تعالى فأجاباها إلى قولها ونفذ فيهما سهم القضاء والقدر ولم تزل سائرة بهما حتى توسطت بهما بين عسكر الروم وصلوا إلى الشعب المذكورة الضيق وعساكر الكفار ينظرون إليهم ولا يتعرضون لهم بسوء لأن الملعونة أوصتهم بذلك فلما نظر ضوء المكان والوزير دندان إلى عساكر الكفار وعرفوا أن الكفار عاينوهم ولم يتعرضوا لهم قال الوزير دندان إلي: والله إن هذه كرامة من الزاهد ولا شك أنه من الخواص فقال ضوء المكان: والله ما أظن الكفار إلا عمياناً لأننا نراهم وهم لا يروننا فبينما هم في الثناء على الزاهد وتعداد كراماته وزهده وعبادته وإذا بالكفار قد هجموا عليهما واحتاطوا بهما وقبضوا عليهما وقالوا: هل معكما أحد غيركما فنقبض عليه؟ فقال الوزير دندان: أما ترون هذا الرجل الآخر الذي بين أيدينا؟ فقال لهم الكفار: وحق المسيح والرهبان والجاثليق والمطران إننا لم نر أحداً غيركما فقال ضوء المكان: والله إن الذي حل بنا عقوبة لنا من الله تعالى. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة عشرة بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار وضعوا القيود في أرجلهما ووكلوا بهما من يحرسهما في المبيت، فصارا يتأسفان ويقولان لبعضهما: إن الاعتراض على الصالحين يؤدي إلى أكثر من ذلك وجزاؤنا ما حل بنا من الضيق الذي نحن فيه. هذا ما كان من أمر ضوء المكان والوزير دندان.
وأما ما كان من أمر الملك شركان فإنه بات تلك الليلة فلما أصبح الصباح قام وصلى صلاة الصبح ثم نهض هو ومن معه من العساكر وتأهبوا إلى قتال الكفار وقوى قلوبهم شركان ووعدهم بكل خير ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى الكفار فلما رآهم الكفار من بعيد قالوا لهم: يا مسلمين إنا أسرنا سلطانكم ووزيره الذي به انتظام أمركم وإن لم ترجعوا عن قتالنا قتلناكم عن آخركم وإذا سلمتم لنا أنفسكم فإننا نروح بكم إلى ملكنا فيصالحكم على أن تخرجوا من بلادنا وتذهبوا إلى بلادكم ولا تضرونا بشيء ولا نضركم بشيء فإن طاب خاطركم كان الحظ لكم وإن أبيتم فما يكون إلا قتلكم وقد عرفناكم وهذا آخر كلامنا.
فلما سمع شركان كلامهم وتحقق أسر أخيه والوزير دندان عظم عليه وبكى وضعفت قوته وأيقن بالهلاك وقال في نفسه: يا ترى ما سبب أسرهما؟ هل حصل منهما إساءة أدب في حق الزاهد واعتراض عليه؟ وما شأنهما؟ ثم نهضوا إلى قتال الكفار فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وتبين في ذلك اليوم الشجاع من الجبان واختضب السيف والسنان وتهافتت عليهم الكفار تهافت الذباب على الشراب من كل مكان وما زال شركان ومن معه يقاتلون قتال من لا يخاف الموت ولا يعتريه في طلب الفرصة قوت حتى سال الوادي بالدماء وامتلأت الأرض بالقتلى.
فلما أقبل الليل تفرقت الجيوش وكل من الفريقين ذهب إلى مكانه وعاد المسلمون إلى تلك المغارة ولم يبق منهم إلا القليل ولم يكن منهم إلا على الله والله عليه كل تعويل وقد قتل منهم في هذا النهار خمسة وثلاثون فارساً من الأمراء والأعيان وإن من قتل بسيفهم من الكفار آلاف من الرجال والركبان فلما عاين شركان ذلك ضاق عليه الأمر وقال لأصحابه: كيف العمل؟ فقال له أصحابه: لا يكون إلا ما يريده الله تعالى فلما كان ثاني يوم قال شركان لبقية العسكر: إن خرجتم للقتال ما بقي منكم أحد لأنه لم يبق عندنا إلا قليل من الماء والزاد والرأي الذي عندي فيه الرشاد أن تجردوا سيوفكم وتخرجوا وتقفوا على باب تلك المغارة لأجل أن تدفعوا عن أنفسكم كل من يدخل عليكم فلعل الزاهد أن يكون وصل إلى عسكر المسلمين ويأتينا بعشرة آلاف فارس فيعينون على قتال الكفرة ولعل الكفار لم ينظروه هو ومن معه فقال له أصحابه: إن هذا الرأي هو الصواب وما في سداده ارتياب.
ثم إن العسكر خرجوا وملكوا باب المغارة ووقفوا في طرفيه وكل من أراد أن يدخل عليهم من الكفار يقتلوه وصاروا يدفعون الكفار عن الباب وصبروا على قتال الكفار إلى أن ذهب النهار وأقبل الليل بالاعتكار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة العشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه عندما أقبل الليل لم يبق عند الملك شركان إلا خمسة وعشرون رجلاً لا غير فقال الكفار لبعضهم: متى تنقضي هذه الأيام فإننا قد تعبنا من قتال المسلمين فقال بعضهم لبعض: قوموا نهجم عليهم فإنه لم يبق منهم إلا خمسة وعشرون رجلاً فإن لم نقدر عليهم نضرم عليهم النار فإن انقادوا وسلموا أنفسهم إلينا أخذناهم أسرى وإن أبوا تركناهم حطباً للنار حتى يصيروا عبرة لأولي الأبصار فلا رحم المسيح أباهم ولا جعل مستقر النصارى مثواهم، ثم إنهم حطوا الحطب على باب المغارة وأضرموا فيه النار فأيقن شركان ومن معه بالبوار فبينما هم كذلك وإذا بالبطريق الرئيس عليهم التفت إلى المشير بقتلهم وقال له: لا يكون قتلهم إلا عند الملك أفريدون لأجل أن يشفي غليله فينبغي أن نبقيهم عندنا أسارى وفي غد نسافر إلى القسطنطينية ونسلمهم إلى الملك أفريدون فيفعل بهم ما يريد فقالوا: هذا هو الرأي الصواب.
ثم أمروا بتكتيفهم وجعلوا عليهم حرساً فلما جن الظلام اشتغل الكفار باللهو والطعام ودعوا بالشراب فشربوا حتى انقلب كل منهم على قفاه وكان شركان وضوء المكان مقيدين وكذلك من معهم من لأبطال فعند ذلك نظر شركان إلى أخيه، وقال له: يا أخي كيف الخلاص؟ فقال ضوء المكان: والله لا أدري وقد صرنا كالطير في الأقفاص فاغتاظ شركان وتنهد من شدة غيظه فانقطع الكتاف فلما خلص من الوثاق قام إلى رئيس الحراس وأخذ مفاتيح القيود من جيبه وفك ضوء المكان وفك الوزير دندان وفك بقية العسكر ثم التفت إلى أخيه ضوء المكان والوزير دندان وقال: إني أريد أن أقتل من الحراس ثلاثة ونأخذ ثيابهم ونلبسها نحن الثلاثة حتى نصير في زي الروم، ونصير بينهم حتى لا يعرفوا أحداً منا.
ثم نتوجه إلى عسكرنا، فقال ضوء المكان: إن هذا الرأي غير صواب لأننا إذا قتلناهم نخاف أن يسمع أحد شخيرهم فتنتبه إلينا الكفار فيقتلوننا والرأي السديد أن نسير إلى خارج الشعب فأجابوه إلى ذلك فلما صاروا بعيداً عن الشعب بقليل رأوا خيلاً مربوطة وأصحابها نائمون فقال شركان لأخيه: ينبغي أن يأخذ كل واحد منا جواداً من هذه الخيول وكانوا خمسة وعشرين رجلاً فأخذوا خمسة وعشرين جواداً، وقد ألقى الله النوم على الكفار لحكمة يعلمها الله. ثم إن شركان جعل يختلس من الكفار السلاح من السيوف والرماح، حتى اكتفوا ثم ركبوا الخيل التي أخذوها وساروا، وكان في ظن الكفار أنه لا يقدر أحد على فكاك ضوء المكان وأخيه ومن معهما من العساكر وأنهم لا يقدرون على الهروب فلما خلصوا جميعاً من الأسر وصاروا في أمن من الكفار التفت إليهم شركان وقال لهم: لا تخافوا حيث سترنا الله ولكن عندي رأي ولعله صواب فقالوا: وما هو؟ قال: أريد أن تطلعوا فريق الجبل وتكبروا كلكم تكبيرة واحدة وتقولوا: لقد جاءتكم العساكر الإسلامية، ونصيح كلنا صيحة واحدة ونقول: الله أكبر فيفترق الجمع من ذلك ولا يجدون لهم في هذا الوقت حيلة فإنهم يسكنون ويظنون أن عسكر المسلمين أحاطوهم من كل جانب. واختلطوا بهم فيقعون ضرباً بالسيف في بعضهم من دهشة السكر والنوم فنقطعهم بسيوفهم ويدور السيف فيهم إلى الصباح فقال ضوء المكان: إن هذا الرأي غير صواب علينا أن نسير إلى عسكرنا ولا ننطق بكلمة لأننا إن كبرنا تنبهوا لنا ولحقونا فلم يسلم منا أحد فقال شركان: والله لو انتبهوا لنا ما علينا بأس وأشتهي أن توافقونني على هذا الرأي وهو لا يكون الأخير فأجابوه إلى ذلك وطلعوا إلى فوق الجبل وصاحوا بالتكبير، فكبرت معه الجبال والأشجار والأحجار من خشية الله تعالى فسمع الكفار ذلك التكبير فصاح الكفار صيحة مزعجة وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه عندما صاح الكفار على بعضهم ولبسوا السلاح وقالوا: قد هجمت علينا الأعداء وحق المسيح، ثم قتلوا من بعضهم ما لا يعلم عدده إلا الله تعالى فلما كان الصباح فتشوا على الأسارى فلم يجدوا لهم أثراً.
فقال رؤساؤهم: إن الذي فعل بكم هذه الفعال هم الأسارى الذين كانوا عندنا فدونكم والسعي خلفهم حتى تلحقوهم فتسقوهم كأس الوبال ولا يحصل لكم خوف ولا انذهال.
ثم إنهم ركبوا خيولهم وسعوا خلفهم فما كان إلا لحظة حتى لحقوهم وأحاطوا بهم فلما رأى ضوء المكان ذلك ازداد به الفزع وقال لأخيه: إن الذي خفت من حصوله قد حصل وما بقي لنا حيلة إلا الجهاد فلزم شركان السكوت عن المقال ثم انحدر ضوء المكان من أعلى الجبل وكبرت معه الرجال وعولوا على الجهاد وبيع أنفسهم في طاعة رب العباد فبينما هم كذلك وإذا باصوات يصيحون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فالتفتوا إلى جهة الصوت فرأوا جيوش المسلمين وعساكر الموحدين مقبلين، فلما رأوهم قويت قلوبهم، وحمل شركان على الكافرين وهلل وكبر هو ومن معه من الموحدين فارتجت الأرض كالزلزال وتفرقت عساكر الكفار في عرض الجبال فتبعتهم المسلمين بالضرب والطعان وأطاحوا منهم الرؤوس عن الأبدان ولم يزل ضوء المكان هو ومن معه من المسلمين يضربون في أعناق الكافرين إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار.
ثم انحاز المسلمون إلى بعضهم وباتوا مستبشرين طول ليلهم، فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح رأوا بهرام مقدم الديلم ورستم مقدم الأتراك، ومعهما عشرين ألف فارس مقبلين عليهم كالليوث العوابس، فلما رأوا ضوء المكان ترجل الفرسان وسلموا عليه وقبلوا الأرض بين يديه فقال لهم ضوء المكان: أبشروا بنصر المسلمين وهلاك الكافرين. ثم هنوا بعضهم بالسلامة وعظيم الأجر في القيامة وكان السبب في مجيئهم إلى هذا المكان أن الأمير بهرام والأمير رستم والحاجب الكبير لما ساروا بجيوش المسلمين والرايات على رؤوسهم منشورة حتى وصلوا إلى القسطنطينية رأوا الكفار قد طلعوا على الأسوار وملكوا الأبراج والقلاع واستعدوا في كل حصن مناع حين علموا بقدوم العساكر الإسلامية والأعلام المحمدية وقد سمعوا قعقعة السلاح وضجة الصياح ونظروا فرأوا المسلمين وسمعوا حوافر خيولهم من تحت الغبار فإذا هم كالجراد المنتشر والسحاب المنهمر وسمعوا أصوات المسلمين بتلاوة القرآن وتسبيح الرحمن وكان السبب في أعلام الكفار بذلك ما دبرته العجوز ذات الدواهي من زورها وعهرها وبهتانها ومكرها حتى قربت العساكر كالبحر الزاخر من كثرة الرجال والفرسان والنساء والصبيان، فقال أمير الترك لأمير الديلم: يا أمير إننا بقينا على خطر منا لأعداء الذين فوق الأسوار فانظر إلى تلك الأبراج وإلى هذا العالم الذي كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج إن هؤلاء الكفار قدرنا مائة مرة ولا نأمن من جاسوس شر فيخبرهم أننا على خطر من الأعداء الذين لا يحصى عددهم ولا ينقطع مددهم خصوصاً مع عيبة الملك ضوء المكان وأخيه والوزير الأجل دندان فعند ذلك يطمعون فينا لغيبتهم عنا فيمحقوننا بالسيف عن آخرنا ولا ينجو منا ناج ومن الرأي أن نأخذ عشرة آلاف فارس من المواصلة والأتراك ونذهب بهم إلى الدير مطروحنا ومرج ملوخنا في طلب إخواننا وأصحابنا فإن أطعتموني فلا لوم علي وإذا توجهتم ينبغي أن ترجعوا إلينا مسرعين فإن من الحزم سوء الظن فعندما قبل الأمير المذكور كلامه وانتخب عشرين ألف فارس وساروا يقطعون الطرقات طالبين المرج المذكور والدير المشهور. هذا ما كان سبب مجيئهم.
وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها لما أوقعت السلطان ضوء المكان وأخاه شركان والوزير دندان في أيدي الكفار أخذت تلك العاهرة جواداً وركبته وقالت للكفار: إني أريد أن ألحق عسكر المسلمين وأتحيل على هلاكهم لأنهم في القسطنطينية فأعلمهم أن أصحابهم هلكوا فإذا سمعوا ذلك مني تشتت شملهم وانصرم حبلهم وتفرق جمعهم.
ثم أدخل أنا إلى الملك أفريدون ملك القسطنطينية وولدي الملك حردوب ملك الروم وأخبرهما بهذا الخبر فيخرجان بعساكر إلى المسلمين ويهلكونهم ولا يتركون أحداً منهم.
ثم سارت لقطع الأرض على ذلك الجواد طول الليل فلما أصبح الصباح لاح عسكر بهرام ورستم فدخلت بعض الغابات وأخفت جوادها هناك، ثم خرجت وتمشت قليلاً وهي تقول في نفسها: لعل عساكر المسلمين قد رجعوا منهزمين من حرب القسطنطينية، فلما قربت منهم نظرت إليهم وتحققت أعلامهم فرأتها غير منكسة فعلمت أنهم أتوا غير منهزمين ولا خائفين على ملكهم وأصحابهم.
فلما عاينت ذلك أسرعت نحوهم بالجري الشديد مثل الشيطان المريد إلى أن وصلت إليهم وقالت لهم: العجل العجل يا جند الرحمن إلى جهاد حزب الشيطان فلما رآها بهرام أقبل عليها وترجل وقبل الأرض بين يديها وقال لها: يا ولي الله ما وراءك؟ فقالت: لا تسأل عن سوء الحال وشديد الأهوال فإن أصحابنا لما أخذوا المال من دير مطروحنا أرادوا أن يتوجهوا إلى القسطنطينية فعند ذلك خرج عليهم عسكر جرار ذو بأس من الكفار. ثم إن الملعونة أعادت عليهم أرجافاً وجلاً وقالت: إن أكثرهم هلك ولم يبق إلا خمسة وعشرون رجلاً فقال بهرام: أيها الزاهد متى فارقتهم؟ فقال: في ليلتي هذه فقال بهرام: سبحان الذي طوى لك الأرض البعيدة وأنت ماشي على قدميك متكئاً على جريدة لكنك من الأولياء الطيارة المهمين وحي الإشارة ثم ركب على ظهر جواده وهو مدهوش وحيران بما سمعه من ذات الإفك والبهتان، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لقد ضاع تعبنا وضاقت صدرونا وأسر سلطاننا ومن معه ثم جعلوا يقطعون الأرض طولاً وعرضاً ليلاً ونهاراً، فلما كان وقت السحر أقبلوا على رأس الشعب فرأوا ضوء المكان وأخاه شركان يناديان بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير، فحمل هو وأصحابه أحاطوا بالكفار إحاطة السيل بالقفار وصاحوا عليهم صياحاً ضجت منه الأبطال وتصدعت منه الجبال فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح لهم من ضوء المكان طيبه ونشره وتعارفوا ببعضهم كما تقدم ذكره فقبلوا الأرض بين يدي ضوء المكان وأخيه شركان وأخبروهم بما جرى لهم في المغارة فتعجبوا من ذلك.
ثم قالوا لبعضهم: أسرعوا بنا إلى القسطنطينية لأننا تركنا أصحابنا هناك وقلوبنا عندهم فعند ذلك أسرعوا في المسير وتوكلوا على اللطيف الخبير وكان ضوء المكان يقوي المسلمين على الثبات وينشد هذه الأبيات:  
لك الحمد مستوجب الحمد والشـكـر    فما زلت لي بالعون يا رب في أمري
ربيت غريباً في البلاد وكـنـت لـي         كفيلاً وقد قدرت يا ربنـا نـصـري
وأعطيتني مالاً ومـلـكـاً ونـعـمة           وقلدتني سيف الشجاعة والـنـصـر
وخولتني ظل المليك معـمـراً وقـد         وجدت لي من فيض وجودك بالغمر
بفضلك قد صلنا على الـروم صـولة       وقد رجعوا بالضـرب فـي خـور
وأظهرت أني قد هـزمـت هـزيمة           وعدت عليهم عودة الضيغم الغـمـر
تركتهم في القاع صرعى كـأنـهـم           نشاوى بكأس الموت لا قهوة الحمـر
وصارت بأيدينا المراكـب كـلـهـا            وصار لنا السلطان في البر والبحـر
وجاء إلينا الزاهـد الـعـابـد الـذي         كرامته شاعت لذي البدو والحضـر
أتينا لأخذ الثأر من كل كـافـر وقـد        شاع عند الناس ما كان مـن أمـري
وقد قتلوا منا رجـالاً فـأصـبـحـوا          لهم غرف في الخلد تعلو على نهـر
فلما فرغ ضوء المكان من شعره هنأه أخوه شركان بالسلامة وشكره على أفعاله، ثم إنهم توجهوا مجدين المسير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن شركان هنأ أخاه ضوء المكان بالسلامة وشكره على أفعاله ثم إنهم توجهوا مجدين المسير طالبين عساكر هذا ما كان من أمرهم وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها لما لاقت عسكر بهرام ورستم عادت إلى الغابة وأخذت جوادها وركبته وأسرعت في سيرها حتى أشرفت على عسكر المسلمين والمحاصرين للقسطنطينية، ثم غنها نزلت وأخذت جوادها وأتت به إلى السرداق الذي فيه الحاجب فلما رآها نهض لها قائماً وأشار إليها بالإيماء وقال: مرحباً بالعابد الزاهد، ثم سألها عما جرى فأخبرته بخبرها المرجف وبهتانها المتلف وقالت له: إني أخاف على الأمير رستم والأمير بهرام لأني قد لاقيتهما مع عسكرهما في الطريق وأرسلتهما إلى الملك ومن معه وكانا في عشرين ألف فارس، والكفار أكثر منهم وإني أردت في هذه الساعة أن ترسل جملة من عسكرك حتى يلحقوهم بسرعة، لئلا يهلكوا عن آخرهم وقالت لهم: العجل العجل. فلما سمع الحاجب والمسلمون منها ذلك الكلام انحلت عزائمهم وبكوا وقالت لهم ذات الدواهي: استعينوا بالله واصبروا على هذه الرزية فلكم أسوة بمن سلف من الأمة المحمدية فالجنة ذات العصور أعدها لمن يموت شهيداً، ولا بد من الموت لكل أحد ولكنه في الجهاد أحمد، فلما سمع الحاجب كلام اللعينة ذات الدواهي دعا بأخي الأمير بهرام وكان فارساً يقال له تركاش وانتخب له عشرة آلاف فارس أبطال عوابس، وأمره بالسير فسار في ذلك اليوم وطول الليل حتى قرب من المسلمين فلما أصبح الصباح رأى شركان ذلك الغبار فخاف على المسلمين فهذا هو النصر المبين وإما أن يكونوا من عسكر الكفار فلا اعتراض على الأقدار.
ثم إنه أتى إلى أخيه ضوء المكان، وقال له: لا تخف أبداً فإني أفديك بروحي من الردا فإن هؤلاء من عسكر الإسلام فهذا مزيد الأنعام وإن كان هؤلاء أعداءنا فلا بد من قتالهم لكن أشتهي أن أقابل العابد قبل موتي لأسأله أن يدعو إلى أن لا أموت إلا شهيداً فبينما هم كذلك وإذا بالرايات قد لاحت مكتوباً عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فصاح شركان: كيف حال المسلمين؟ قالوا: بعافية وسلامة وما أتينا إلا خوفاً عليكم، ثم ترجل رئيس العسكر عن جواده وقبل الأرض بين يديه وقال: يا مولانا كيف السلطان والوزير دندان ورستم وأخي بهرام؟ أما هم الجميع سالمون؟ فقال: بخير ثم قال له: ومن الذي أخبركم بخبرنا؟ قال: الزاهد قد ذكر أنه أتى أخي بهرام ورستم وأرسلهما إليكم وقال لنا: إن الكفار قد أحاطوا بهم وهم كثيرون وما أرى الأمر إلا بخلاف ذلك وأنتم منصورون فقال لهم: وكيف وصول الزاهد إليكم؟ فقالوا له: كان سائراً على قدميه وقطع في يوم وليلة مسيرة عشرة أيام للفارس المجد فقال شركان: لا شك أنه ولي الله، وأين هو؟ قالوا له: تركناه عند عسكرنا أهل الإيمان يحرضهم على قتال أهل الكفر والطغيان ففرح شركان بذلك وحمد الله سلامتهم وسلامة الزاهد، وترحموا على من قتل منهم وقالوا: كان ذلك في الكتاب المسطور.
ثم ساروا مجدين في سيرهم فبينما هم كذلك وإذا بغبار قد سار حتى سد الأقطار وأظلم منه النهار فنظر إليه شركان، وقال: إني أخاف أن يكون الكفار قد كسروا عسكر الإسلام لأن هذا الغبار سد المشرقين وملأ الخافقين ثم لاح من تحت ذلك عمود من الظلام أشد سواداً من حالك الأيام وما زالت تقرب منهم تلك الدعامة وهي أشد من هول يوم القيامة فتسارعت إليها الخيل والرجال لينظروا ما سبب سوء هذا الحال فرأوه الزاهد المشار إليه فازدحموا على تقبيل يديه وهو ينادي: يا أمة خير الأنام ومصباح الظلام إن الكفار غدروا بالمسلمين فأدركوا عساكر الموحدين وأنقذوهم من أيدي الكفرة اللئام فإنهم هجموا عليهم في الخيام ونزل بهم العذاب المهين وكانوا في مكانهم آمنين، فلما سمع شركان ذلك الكلام طار قلبه من شدة الخفقان وترجل عن جواده وهو حيران.
ثم قبل يد الزاهد ورجليه وكذلك أخوه ضوء المكان وبقية العسكر من الرجال والركبان إلا الوزير دندان فإنه لم يترجل عن جواده وقال: والله إن قلبي نافر من هذا الزاهد لأني ما عرفت للمتنطعين في الدين غير المفاسد فاتركوه وأدركوا أصحابكم المسلمين فإن هذا من المطرودين عن باب رحمة رب العالمين، فكم غزوت مع الملك عمر النعمان ودست أراضي هذا المكان فقال له شركان: دع هذا الظن الفاسد أما نظرت إلى هذا العابد وهو يحرض المؤمنين على القتال ولا يبالي بالسيوف والنبال فلا تغتابه لأن الغيبة مذمومة ولحوم الصالحين مسمومة وانظر إلى تحريضه لنا على قتال أعدائنا، ولولا أن الله تعالى يحبه ما طوى له العبد بعد أن أوقعه سابقاً في العذاب الشديد، ثم إن شركان أمر أن يقدموا بغلة نوبية إلى الزاهد ليركبها وقال له: اركب أيها الزاهد الناسك العابد فلم يقبل ذلك وامتنع عن الركوب وأظهر الزهد لينال المطلوب، وما دروا أن هذا الزاهد الطاهر هو الذي قال في مثله الشاعر:  
صلى وصام لأمر كان يطـلـبـه  لما قضي الأمر لا صلى ولا صاما
ثم إن ذلك الزاهد ما زال ماشياً بين الخيل والرجال كأنه الثعلب المحتال رافعاً صوته بتلاوة القرآن وتسبيح الرحمن وما زالوا سائرين حتى أشرفوا على عسكر الإسلام فوجدهم شركان في حالة الانكسار وحاجب قد أشرف على الهزيمة والفرار والسيف يعمل بين الأبرار والفجار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السبب في خذل المسلمين أن اللعينة ذات الدواهي عدوة الدين لما رأت بهرام ورستم قد سارا بعسكرهما نحو شركاء وأخيه ضوء المكان سارت هي نحو عسكر المسلمين وأنقذت الأمير تركاش كما تقدم ذكره وقصدها بذلك أن تفرق بين عسكر المسلمين لأجل أن يضعفوا، ثم تركتهم وقصدت القسطنطينية ونادت بطارقة الروم بأعلى صوتها وقالت: أدلوا حبلاً لأربط فيه هذا الكتاب وأوصلوه إلى ملككم أفريدون ليقرأه هو وولدي ملك الروم ويعملان بما فيه من أوامره ونواهيه، فأدلوا لها حبلاً فربطت فيه الكتاب وكان مضمونه: من عند الداهية والطامة الكبرى ذات الدواهي إلى الملك أفريدون. أما بعد فإني دبرت لكم حيلة على هلاك المسلمين فكونوا مطمئنين وقد أسرتهم وأسرت سلطانهم ووزيرهم ثم توجهت إلى عسكرهم وأخبرتهم بذلك فانكسرت شوكتهم وضعفت قوتهم وقد خدعت العسكر المحاصرين للقسطنطينية حتى أرسلت منهم اثني عشر ألف فارس مع الأمير تركاش خلاف المأسورين وما بقي منهم إلا القليل، فالمراد أنكم تخرجون إليهم بجميع عسكركم في بقية هذا النهار وتهجمون عليهم في خيامهم ولكنكم لا تخرجون إلا سواء واقتلوهم عن آخرهم، فإن المسيح قد نظر إليكم والعذراء تعطف عليكم، وأرجو من المسيح أن لا ينسى فعلي الذي قد فعلته.
فلما وصل كتابها إلى الملك أفريدون فرح فرحاً شديداً وأرسل في الحال إلى ملك الروم ابن ذات الدواهي وأحضره وقرأ الكتاب عليه ففرح وقال: انظر إلى مكر أمي فإنه يغني عن السيوف وطلعتها تنوب عن هول اليوم المخوف، فقال الملك أفريدون: لا أعدم المسيح طلعة أمك ولا أخلاك من مكرك ولؤمك.
ثم أمر البطارقة أن ينادوا بالرحيل إلى خارج المدينة وشاع الخبر في القسطنطينية وخرجت عساكر النصرانية والعصابة الصليبية وجردوا السيوف الحداد وأعلنوا بكلمة الكفر والإلحاد وكفروا برب العباد، فلما نظر الحاجب إلى ذلك قال: إن سلطاننا غائب فربما هجموا علينا وأكثر عساكرنا قد توجه إلى الملك ضوء المكان واغتاظ الحاجب ونادى: يا عسكر المسلمين وحماة الدين المتين إن هربتم هلكتم وإن صبرتم نصرتم فاعلموا أن الشجاعة صبر ساعة وما ضاق أمر إلا أوجد الله اتساعه، بارك الله فيكم ونظر إليكم بعين الرحمة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد المئة قالت بلغني أيها الملك السعيد أن الحاجب قال لجيش المسلمين: بارك الله عليكم ونظر إليكم بعين الرحمة، فعند ذلك كبر المسلمون وصاحت الموحدون ودارت رحى الحرب بالطعن والضرب وعملت الصوارم والرماح وملأ الدم الأودية والبطاح وقسست القسوس والرهبان وشدوا الزنانير ورفعوا الصلبان وأعلن المسلمون بالتكبير للملك الديان وصاحوا بتلاوة القرآن واصطدم حزب الرحمن بحزب الشيطان وطارت الرؤوس عن الأبدان وطافت الملائكة الأخيار على أمة النبي المختار ولم يزل السيف يعمل إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار وقد أحاط الكفار بالمسلمين وحسبوا أن ينجوا من العذاب المبين وطمع المشركون في أهل الإيمان إلى أن طلع الفجر وبان فركب الحاجب هو وعسكره ورجا الله أن ينصره واختلطت الأمم بالأمم وقامت الحرب على ساق وقدم وطارت القمم وثبت الشجاع وتقدم وولى الجبان وانهزم وقضى قاضي الموت وحكم حتى تطاوحت الأبطال عن السروج وامتلأت بالأمواج المروج وتأخرت المسلمون عن أماكنها وملكت بعض خيامها ومساكنها وعزم المسلمون على الانكسار والهزيمة والفرار. فبينما هم كذلك وإذا بقدوم شركان بعساكر المسلمين ورايات الموحدين، فلما أقبل عليهم شركان حمل على الكفار وتبعه ضوء المكان وحمل بعدهما الوزير دندان وكذلك أمير ديلم بهرام ورستم وأخوه تركاش، فإنهم لما رأوا ذلك طارت عقولهم وغاب معقولهم وثار الغبار حتى ملأ الأقطار واجتمعت واجتمع المسلمون الأخيار بأصحابهم الأبرار واجتمع شركان بالحاجب فشكره على صبره وهنأه بتأييده ونصره وفرحت المسلمون وقويت قلوبهم وحملوا على أعدائهم وأخلصوا لله في جهادهم، فلما نظر الكفار إلى الرايات المحمدية وعليها كلمة الإخلاص الإسلامية وصاحوا بالويل والثبور واستغاثوا ببطارقة الدبور ونادوا يوحنا ومريم والصليب المسخم وانقبضت أيديهم عن القتال وقد أقبل الملك أفريدون على ملك الروم وصار أحدهما إلى الميمنة والآخر في الميسرة وعندهم فارس مشهور يسمى لاويا فوقف وسطاً واصطفوا للنزال وإن كانوا في فزع وزلزال ثم صفت المسلمون عساكرهم.
فعند ذلك أقبل شركان على أخيه ضوء المكان وقال له: يا ملك الزمان لا شك أنهم يريدون البراز وهذا غاية مرادنا ولكن أحب أن أقدم من العسكر من له عزم ثابت فإن التدبير نصف المعيشة فقال السلطان: ماذا تريد يا صاحب الرأي السديد؟ فقال شركان: أريد أن أكون في قلب عسكر الكفار وأن يكون الوزير دندان في الميسرة وأنت في الميمنة والأمير بهرام في الجناح الأيمن والأمير رستم في الجناح الأيسر وأنت أيها الملك العظيم تكون تحت الأعلام والرايات لأنك عمادنا وعليك بعد الله اعتمادنا ونحن كلنا نفديك من كل أمر يؤذيك فشكره ضوء المكان على ذلك وارتفع الصياح وجردت الصفاح.
فبينما هم كذلك وإذا بفارس قد ظهر من عسكر الروم فلما قرب رأوه راكباً على بغلة قطوف تفر بصاحبها من وقع السيوف وبردعتها من أبيض الحرير وعليها سجادة من شغل كشمير وعلى ظهرها شيخ مليح الشيبة ظاهر الهيبة عليه مدرعة من الصوف الأبيض ولم يزل يسرع بها وينهض حتى قرب من عسكر المسلمين وقال: إني رسول إليكم أجمعين وما على الرسول إلا البلاغ فأعطوني الأمان والإقالة حتى أبلغكم الرسالة.
فقال له شركان: لك الأمان فلا تخش حرب سيف ولا طعن سنان، فعند ذلك ترجل الشيخ وقلع الصليب من عنقه بين يدي السلطان وخضع له خضوع راجي الإحسان فقال له المسلمون: ما معك من الأخبار؟ فقال: إني رسول من عند الملك أفريدون فإني نصحته ليمتنع عن تلف هذه الصور والهياكل الرحمانية وبينت له أن الصواب حقن الدماء والاقتصار على فارسين في الهيجاء فأجابني إلى ذلك وهو يقول لكم: إني فديت عسكري بروحي فليفعل ملك المسلمين مثلي ويفدي عسكره بروحه فإن قتلني فلا يبقى لعسكر الكفار ثبات وإن قتله فلا يبقى لعسكر المسلمين ثبات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن رسول الملك أفريدون لما قال للمسلمين إن قتل ملك المسلمين فلا يبقى لعسكره ثبات فلما سمع شركان هذا الكلام قال: يا راهب إنا أجبناه إلى ذلك فإن هذا هو الإنصاف فلا يكون منه خلاف وها أنا أبرز إليه وأحمل عليه فإني فارس المسلمين غير المفر فارجع إليه أيها الراهب وقل له أن البراز في غد لأننا أتينا من سفرنا على تعب في هذا اليوم وبعد الراحة لا عتب ولا لوم فرجع الراهب وهو مسرور حتى وصل إلى الملك أفريدون وملك الروم وأخبرهما ففرح الملك أفريدون وملك الروم غاية الفرح وزال الهم والترح، وقال في نفسه: لا شك أن شركان هذا هو أضربهم بالسيف وأطعنهم بالسنان فإذا قتلته انكسرت همتهم وضعفت قوتهم وقد كانت ذات الدواهي كاتبت الملك أفريدون بذلك، وقالت له: إن شركان هو فارس الشجعان وشجاع الفرسان وحذرت أفريدون من شركان وكان أفريدون فارساً عظيماً لأنه كان يقاتل بأنواع القتال ويرمي بالحجارة والنبال ويضرب بالعمود الحديد، ولا يخشى من البأس الشديد. فلما سمع قول الراهب من أن شركان أجاب إلى البراز كاد أن يطير من شدة الفرح لأنه واثق بنفسه ويعلم أنه لا طاقة لأحد به، ثم بات الكفار تلك الليلة في فرح وسرور وشرب خمور فلما كان الصباح أقبلت الفوارس بسمر الرماح وبيض الصفاح وإذا هم بفارس قد برز في الميدان وهو راكب على جواد من الخيل الجياد معد للحرب والجلاد وله قوائم شداد وعلى ذلك الفارس درع من الحديد معد للبأس الشديد وفي صدره مرآة من الجوهر وفي يده صارم أبتر وقنطارته خلنجية من غريب عمل الإفرنج أن الفارس كشف عن وجهه وقال: من عرفني فقد اكتفاني ومن لم يعرفني فسوف يراني، أنا أفريدون المغمور ببركة شواهي ذات الدواهي، فما تم كلامه حتى خرج في وجهه فارس المسلمين شركان وهو راكب على جواد أشقر يساوي ألفاً من الذهب الأحمر وعليه عدة مزركشة بالدرر والجوهر وهو متقلد بسيف هندي مجوهر يقد الرقاب ويهون الأمور الصعاب.
ثم ساق جواده بين الصفين والفرسان تنظره بالعين ثم نادى أفريدون، وقال له: ويلك يا ملعون أتظنني كمن لاقيت من الفرسان ولا يثبت معك في حومة الميدان، ثم حمل كل منهما على صاحبه فصار الاثنان كأنهما جبلان يصطدمان أو بحران يلتطمان ثم تقاربا وتباعدا والتصقا وافترقا ولم يزالا في كر وفر وهزل وجد وضرب وطعن والجيشان ينظران إليهما وبعضهم يقول: إن شركان غالب والبعض يقول: إن أفريدون غالب ولم يزل الفارسان على هذا الحال حتى بطل القيل والقال وعلا الغبار وولى النهار ومالت الشمس إلى الاصفرار وصاح الملك افريدون على شركان وقال: وحق المسيح والاعتقاد الصحيح ما أنت إلا فارس كرار وبطل مغوار غير أنك غدار وطبعك ما هو إلا طبع الأخيار لأني أرى فعالك غير حميدة وقتالك قتال الصناديد، وقومك ينسبونك إلى العبيد، وها هم أخرجوا لك غير جوادك وتعود إلى القتال وإني حق ديني قد أعياني قتالك وأتعبني ضربك وضمانك فإن كنت تريد قتالي في هذه الليلة فلا تغير شيئاً من عدتك ولا جودتك، حتى يظهر الفرسان كرمك وقتالك.
فلما سمع شركان هذا الكلام اغتاظ من قول أصحابه في حقه، حيث ينسبونه إلى العبيد، فالتفت إليهم شركان وأراد أن يسير إليهم ويأمرهم أن لا يغيروا له جواداً ولا عدة وإذا بأفريدون هز حربته وأرسلها إلى شركان فالتفت وراءه فلم يجد أحداً فعلم أنها حيلة من الملعون فرد وجهه بسرعة وإذا بالحربة قد أدركته فمال عنها حتى ساوى برأسه قربوس سرجه فجرت الحربة على صدره وكان شركان عالي الصدر فكشطت الحربة جلدة صدره، فصاح صيحة واحدة وغاب عن الدنيا ففرح الملعون أفريدون بذلك وعرف أنه قد قتل فصاح على الكفار ونادى بالفرح فهاجت أهل الطغيان وبكت أهل الإيمان فلما رأى ضوء المكان أخاه مائلاً على الجواد حتى كاد أن يقع أرسل نحوه الفرسان فتسابقت إليه الأبطال وأتوا به إليه وحملت الكفار على المسلمين والتقى الجيشان واختلط الصفان وعمل اليماني وكان أسبق الناس إلى شركان الوزير دندان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 وفي الليلة السادسة والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما رأى اللعين قد ضرب أخاه شركان بالحربة ظن أنه مات فأرسل إليه الفرسان وكان أسبق الناس إليه الوزير دندان وأمير الترك بهرام وأمير الديلم فلحقوه وقد مال عن جواده فأسندوه ورجعوا به إلى أخيه ضوء المكان.
ثم أوصوا الغلمان وعادوا إلى الحرب والطعان واشتد النزال وتقصفت النصال وبطل القيل والقال فلا يرى إلا دم سائل وعنق مائل ولم يزل السيف يعمل في الأعناق واشتد الشقاق إلى أن أقبل الليل وكلت الطائفتان عن القتال فنادوا بالانفصال ورجعت كل طائفة إلى خيامها وتوجه جميع الكفار إلى ملكهم أفريدون وقبلوا الأرض بين يديه وهنأه القسوس والرهبان بظفره بشركان. ثم إن الملك أفريدون دخل القسطنطينية وجلس على كرسي مملكته وأقبل عليه ملك الروم وقال له: قوى المسيح ساعدك واستجاب من الأم الصالحة ذات الدواهي ما تدعو به لك واعلم أن المسلمين ما بقي لهم إقامة بعد شركان. فقال أفريدون: في غد يكون الانفصال إذا خرجت إلى النزال وطلبت ضوء المكان وقتلته فإن عسرهم يولون الأدبار ويركنون إلى الفرار هذا ما كان من أمر الكفار وأما ما كان من أمر عساكر الإسلام فإن ضوء المكان لما رجع إلى الخيام لم يكن له شغل إلا بأخيه فلما دخل عليه وجده في أسوأ الأحوال وأشد الأهوال فدعا بالوزير دندان ورستم وبهرام للمشورة فلما دخلوا عليه اقتضى رأيهم إحضار الحكماء لعلاج شركان ثم بكوا وقالوا: لم يسمح بمثله الزمان وسهروا عنده تلك الليلة وفي آخر الليل أقبل عليهم الزاهد وهو يبكي فلما رآه ضوء المكان قام إليه فملس بيده على أخيه وتلى شيئاً من القرآن، وعوذه بآيات الرحمن وما زال سهراناً عنده إلى الصباح فعند ذلك استفاق شركان وفتح عينيه وأدار لسانه في فمه وتكلم ففرح السلطان ضوء المكان وقال: قد حصلت له بركة الزاهد.
فقال شركان: الحمد لله على العافية فإنني بخير في هذه الساعة وقد عمل علي هذا الملعون حيلة ولولا أني زغت أسرع من البرق لكانت الحربة نفذت في صدري فالحمد لله الذي نجاني وكيف حال المسلمين، فقال ضوء المكان: هم في بكاء من أجلك، فقال: إني بخير وعافية وأين الزاهد وهو عند رأسه قاعد، فقال له: عند رأسك، فقام إليه وقبل يديه. فقال الزاهد: يا ولدي عليك بجميل الصبر يعظم الله لك الأجر فإن الأجر على قدر المشقة فقال لشركان: ادع لي، فدعا له.
فلما أصبح الصباح وبان الفجر ولاح برزت المسلمون إلى ميدان الحرب وتهيأ الكفار للطعن والضرب، وتقدمت عساكر المسلمين فطلبوا الحرب والكفاح وجردوا السلاح وأراد الملك ضوء المكان وأفريدون أن يحملا على بعضهما وإذا بضوء المكان: نحن فداك فقال لهم: وحق البيت الحرام وزمزم والمقام لا اقعد عن الخروج إلى هؤلاء العلوج فلما صار في الميدان لعب بالسيف والسنان حتى أذهل الفرسان وتعجب الفريقان وحمل في الميمنة فقتل منها بطريقين وفي الميسرة فقتل منها بطريقين ونادى في وسط الميدان: أين أفريدون حتى أذيقه عذاب الهوان فأراد الملعون أن يولي وهو مغبون فأقسم عليه ضوء المكان أن لا يبرح من الميدان وقال له: يا ملك بالأمس كان قتال أخي واليوم قتالي وأنا بشجاعتك لا أبالي ثم خرج وبيده صارم وتحته حصان كأنه عنتر في حومة الميدان وذلك الحصان أدهم مغاير كما قال فيه الشاعر:  
قد سابق الطرف بطرف سابق  كأنـه يريد إدراك الـقـدر
دهمته تبدي سواداً حـالـكـا    كأنها ليل إذا اللـيل عـكـر
صهيله يزعج من يسـمـعـه     كأنه الرعد إذا الرعد زجـر
لو تسابق الريح جرى من قبلها            والبرق لا يسبقه إذا ظـهـر
ثم حمل كل منهما على صاحبه، واحترس من مضاربه وأظهر ما في بطنه من عجائبه وأخذا في الكر والفر حتى ضاقت الصدر وقل الصبر للمقدور وصاح ضوء المكان وهجم على ملك القسطنطينية أفريدون وضربه ضربة أطاح بها رأسه وقطع أنفاسه، فلما نظرت الكفار إلى ذلك حملوا جميعاً عليه وتوجهوا بكليتهم إليه فقابلهم في حومة الميدان واستمر الضرب والطعان حتى سال الدم بالجريان وضج المسلمون بالتكبير والتهليل والصلاة على البشير النذير وقاتلوا قتالاً شديداً وأنزل الله النصر على المؤمنين والخزي على الكافرين، وصاح الوزير دندان: خذوا بثأر الملك عمر النعمان وثار ولده شركان وكشف برأسه وصاح: يا للأتراك وكان بجانبه أكثر من عشرين ألف فارس فحملوا معه حملة واحدة فلم يجد الكفار لأنفسهم غير الفرار وتولي الأدبار وعمل فيهم الصارم البتار فقتل منهم نحو خمسين ألف فارس وأسروا ما يزيد على ذلك، وقتل عند دخول الباب خلق كثير من شدة الزحام، ثم أغلقوا الباب وطلعوا فوق الأسوار وخافوا خوف العذاب وعادت طوائف المسلمين مؤيدين منصورين وأتوا خيامهم ودخل ضوء المكان على أخيه فوجده في أسر الأحوال فسجد وشكر الكريم المتعال ثم أقبل عليه وهنأه بالسلامة.
فقال شركان: إننا كلنا في بركة هذا الزاهد الأواب ما انتصرنا إلا بدعائه المستجاب، فإنه لم يزل قاعداً يدعو للمسلمين بالنصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان لما دخل علي أخيه شركان وجده جالساً والعابد عنده ففرح وأقبل عليه وهنأه بالسلامة فقال: إن شركان قال إننا كلنا في بركة هذا الزاهد وما انتصرتم إلا بدعائه لكم فإنه ما برح اليوم يدعو للمسلمين وكنت وجدت في نفسي قوا حين سمعت تكبيركم فعلمت أنكم منصورون على أعدائكم فاحك لي يا أخي ما وقع لك فحكى له جميع ما وقع له مع الملك الملعون أفريدون وأخبره أنه قتله وراح إلى لعنة الله فأثنى عليه وشكر مسعاه فلما سمعت ذات الدواهي وهي في صفة الزاهد بقتل ولدها أفريدون انقلب لونها بالاصفرار وتغرغرت عيناها بالدموع الغزار ولكنها أخفت ذلك وأظهرت للمسلمين أنها فرحت وأنها تبكي من شدة الفرح ثم إنها قالت في نفسها: وحق المسيح ما بقي في حياتي فائدة إن لم أحرق قلبه على أخيه شركان، كما أحرق قلبي على عماد الملة النصرانية والعبادة الصليبية الملك أفريدون ولكنها كفت ما بها.
ثم إن الوزير دندان والملك ضوء المكان والحاجب استمروا جالسين عند الملك شركان حتى عملوا له اللزق وأعطوه الدواء فتوجهت إليه العافية وفرحوا بذلك فرحاً شديداً وأعلموا به العساكر فتباشر المسلمون وقالوا في غد يركب معنا ويباشر الحصار، ثم إن شركان قال لهم: إنكم قاتلتم اليوم تعبتم من القتال فينبغي أن تتوجهوا إلى أماكنكم وتناموا ولا تسهروا فأجابوه إلى ذلك وتوجه كل منهم إلى صرادقه وما بقي عند شركان سوى قليل من الغلمان والعجوز ذات الدواهي نتحدث معها قليلاً من الليل، ثم اضطجع لينام وكذلك الغلمان، فلما غلب عليهم النوم صاروا مثل الأموات هذا ما كان من أمر شركان وغلمانه.
وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها بعد نومهم صارت يقظانة وحدها في الخيمة نظرت إلى شركان فوجدته مستغرقاً في النوم، فوثبت على قدميها كأنها دبة معطاء أو آفة نقطاء وأخرجت من وسطها خنجراً مسموماً لو وضع على صخرة لأذابها ثم جردته من غمده وأتت عند رأس شركان وجردته على رقبته فذبحته وأزالت رأسه عن جسده ثم وثبت على قدميها وأتت إلى الغلمان النيام وقطعت رؤوسهم لئلا ينتبهوا ثم خرجت من الخيمة وأتت إلى خيام السلطان، فوجدت الحراس غير نائمين فمالت إلى خيمة الوزير دندان فوجدته يقرأ القرآن فوقعت عينه عليها فقال: مرحبا بالزاهد العابد فلما سمعت ذلك من الوزير ارتجف قلبها وقالت له: إن سبب مجيئي إلى هنا في هذا الوقت أني سمعت صوت ولي من أولياء الله وأنا ذاهب إليه ثم ولت.
فقال الوزير دندان في نفسه: والله لأتبع هذا الزاهد في هذه الليلة فقام ومشى خلفها، فلما أحست الملعونة بمشيه عرفت أنه وراءها فخشيت أن تفتضح وقالت في نفسها: إن لم أخدعه بحيلة فإني أفتضح فأقبلت إليه وقالت: أيها الوزير إني سائر خلف هذا الولي لأعرفه وبعد أن أعرفه أستأذنه في مجيئك إليه وأقبل عليك وأخبرك لأني أخاف أن تذهب معي بغير استئذان الولي فيحصل له نفرة مني إذا رآك معي، فلما سمع الوزير كلامها استحى أن يرد عليها جواباً فتركها ورجع إلى خيمته وأراد أن ينام فما طاب له منام وكادت الدنيا أن تنطبق عليه فقام وخرج من خيمته وقال في نفسه: أنا أمضي إلى شركان وأتحدث معه إلى الصباح فسار إلى أن دخل خيمة شركان فوجد الدم سائلاً منه كالقناة ونظر الغلمان مذبوحين فصاح صيحة أزعجت كل من كان نائماً، فتسارعت الخلق إليه فرأوا الدم سائلاً فضجوا بالبكاء والنحيب. فعند ذلك استيقظ السلطان ضوء المكان وسأل عن الخبر فقيل له: إن شركان أخاك والغلمان مقتولون فقام مسرعاً إلى أن دخل الخيمة، فوجد الوزير دندان يصيح ووجد جثة أخيه بلا رأس فغاب عن الدنيا وصاحت كل العساكر وبكوا وداروا حول ضوء المكان ساعة حتى استفاق ثم نظر إلى شركان وبكى بكاء شديداً وفعل مثله الوزير ورستم وبهرام، وأما الحاجب فإنه صاح وأكثر من النواح، ثم طلب الارتحال لما به من الأوجال فقال الملك: أما علمتم بالذي فعل بأخي هذه الأفعال ومالي لا أرى الزاهد الذي عن متاع الدنيا متباعد؟ فقال الوزير: ومن جلب هذه الأحزان إلا هذا الزاهد الشيطان فوالله إن قلبي نفر منه في الأول والآخر لأنني أعرف أن كل متنطح في الدين خبيث ماكر، ثم إن الناس ضبوا بالبكاء والنحيب، وتضرعوا إلى القريب المجيب أن يوقع في أيديهم ذلك الزاهد الذي هو لآيات الله جاحد، ثم جهزوا شركان ودفنوه في الجبل المذكور وحزنوا على فضله المشهور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملعونة لما فرغت عن الداهية التي عملتها والمخازي التي لنفسها أبدتها، أخذت دواة وقرطاساً وكتبت فيه: من عند شواهي ذات الدواهي إلى حضرة المسلمين أعلموا أني دخلت بلادكم وغششت بلؤمي كرامكم وقتلت سابقاً ملككم عمر النعمان في وسط قصره وقتلت أيضاً في واقعة الشعب والمغارة رجالاً كثيرة وآخر من قتلته بمكري ودهائي وغدري شركان وغلمانه، ولو ساعدني الزمان وطاوعني الشيطان كنت قتلت السلطان والوزير دندان وأنا الذي أتيت إليكم في زي الزاهد، وانطلت عليكم من الحيل والمكايد فإن شئتم سلامتكم بعد ذلك فارحلوا وإن شئتم هلاك أنفسكم فعن الإقامة لا تعدلوا فلو أقمتم سنين وأعواماً، لا تبلغون منا مراماً وبعد أن كتبت الكتاب أقامت في حزنها على الملك أفريدون ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع دعت بطريقاً وأمرته أن يأخذ الورقة ويضعها في سهم ويرميها إلى المسلمين.
ثم دخلت الكنيسة وصارت تندب وتبكي على فقد أفريدون وقالت: لمن تسلطن بعده لا بد أن أقتل ضوء المكان وجميع أمراء الإسلام. هذا ما كان من أمرها.
وأما ما كان من أمر المسلمين فإنهم أقاموا ثلاثة أيام في هم واغتمام وفي اليوم الرابع نظروا إلى ناحية السور وإذا ببطريق معه سهم نشاب، وفي عرفه كتاب فصبروا عليه حتى رماه إليهم فأمر السلطان الوزير دندان أن يقرأه، فلما قرأه وسمع ما فيه وعرف معناه هملت بالدموع عيناه، وصاح وتضجر من مكرها وقال الوزير: والله لقد كان قلبي نافراً منها فقال السلطان: وهذه العاهرة كيف عملت علينا الحيلة مرتين والله لا أحول من هنا حتى أملأ فرجها بمسيح الرصاص وأسجنها سجن الطير في الأقفاص وبعد ذلك أصلبها من شعرها على باب القسطنطينية، ثم تذكر أخاه فبكى بكاء شديداً ثم إن الكفار لما توجهت لهم ذات الدواهي وأخبرتهم بما حصل فرحوا بقتل شركان وسلامة ذات الدواهي.
ثم إن المسلمين رجعوا على باب القسطنطينية. ووعدهم السلطان أنه إذا فتح المدينة يفرق أموالها عليهم بالسوية. هذا والسلطان لم تجف دموعه حزناً على أخيه واعترى جسمه الهزال حتى صار كالخلال فدخل عليه الوزير دندان وقال له: طب نفساً وقر عيناً فإن أخاك ما مات إلا بأجله وليس في هذا الحزن فائدة وما أحسن قول الشاعر:  
ما لا يكون فلا يكون بحيلة     أبداً وما هو كائن سيكـون
سيكون ما هو كائن في وقته     وأخو الجهالة دائماً مغبون
فدع البكاء والنزح وقو قلبك لحمل السلاح فقال: يا وزير إن قلبي مهموم من أجل موت أبي وأخي ومن أجل غيابنا عن بلادنا فإن خاطري مشغول برعيتي فبكى الوزير هو والحاضرون وما زالوا مقيمين على حصار القسطنطينية مدة من الزمان فبينما هم كذلك وإذا بالأخبار وردت عليهم من بغداد صحبة أمير من أمرائه مضمونها، إن زوجة الملك ضوء المكان رزقت ولداً وسمته نزهة الزمان أخت الملك كان ما كان ولكن هذا الغلام سيكون له شأن بسبب ما رأوه من العجائب والغرائب وقد أمرت العلماء والخطباء أن يدعوا لكم على المنابر ودبر كل صلاة، وإننا طيبون بخير والأمطار كثيرة إن صاحبك الوقاد في غاية النعمة الجزيلة وعنده الخدم والغلمان ولكنه إلى الآن لم يعلم بما جرى لك والسلام. فقال له ضوء المكان اشتد ظهري حيث رزقت ولداً اسمه كان ما كان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال للوزير دندان: إني أريد أن أترك هذا الحزن وأعمل لأخي ختمات وأموراً من الخيرات، فقال الوزير نعم ما أردت ثم أمر بنصب الخيام على قبر أخيه، فنصبوها وجمعوا من العسكر من يقرأ القرآن فصار بعضهم يذكر الله إلى الصباح، ثم إنهم انصرفوا إلى الخيام وأقبل السلطان على الوزير دندان وأخذا يتشاورون في أمر القتال واستمرا على ذلك أياماً وليالي وضوء المكان يتضجر من الهم والأحزان ثم قال: إني أشتهي سماع أخبار الناس وأحاديث الملوك، وحكايات المتيمين لعل الله يفرج ما بقلبي من الهم الشديد ويذهب عني البكاء والمديد، فقال الوزير: إن كان ما يفرج همك أسماع قصص الملوك من نوادر الأخبار وحكايات المتقدمين من المتيمين وغيرهم فإن هذا الأمر سهل لأنني لم يكن لي شغل في حياة المرحوم والدك إلا الحكايات والأشعار وفي هذه الليلة أحدثك بخبر العاشق والمعشوق لأجل أن ينشرح صدرك.
فلما سمع ضوء المكان كلام الوزير دندان تعلق قلبه بما وعده به ولم يبق له اشتغال إلا بانتظار مجيء الليل لأجل أن يسمع ما يحكيه الوزير دندان، من أخبار المتقدمين من الملوك والمتيمين فما صدق أن الليل أقبل، حتى أمر بإيقاد الشموع والقناديل وإحضار ما يحتاجون إليه من الأكل والشرب وآلات البخور فأحضروا له جميع ذلك، ثم أرسل إلى الوزير دندان فحضر وأرسل إلى بهرام رستم وتركاش والحاجب الكبير فحضروا.
فلما حضروا جميعهم بين يديه التفت إلى الوزير دندان وقال له اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل وسدل جلابيته علينا وأسبل، ونريد أن تحكي لنا ما وعدتنا من الحكايات. فقال الوزير حباً وكرامة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. 

وفي الليلة الثلاثين بعد المئة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء المكان، لما حضر الوزير والحاجب ورستم وبهرام التفت إلى الوزير دندان وقال اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل وأسدل جلابيبه علينا وأسبل ونريد أن تحكي لنا ما وعدتنا به من الحكايات فقال الوزير حباً وكرامة.

تعليقات الفيس بوك :